S'abonner
Se connecter
logo du site ledesk
بالعربية
مختارات لوديسك بالعربية

Connectez-vous

Mot de passe oublié ?

Abonnez-vous !

Découvrez l'offre de lancement du Desk

60 DH
1 mois
Découvrir les offres
19.09.2018 à 15 H 33 • Mis à jour le 19.09.2018 à 16 H 13 • Temps de lecture : 1 minutes
Par

احتفالات عاشوراء بالمغرب: انفلات الأنثى من سلطة الذكر، وانتصار المرأة على الفقيه

ما إن يتم الإعلان عن دخول شهر محرم حتى تنطلق الاحتفالات في شتى أرجاء المغرب، ورغم تعدد طقوسها وممارساتها، باختلاف المناطق والأماكن، إلا أن هناك نسقا عاما يجمع كل المظاهر الاحتفالية لعاشوراء، سمته التنوع والتعقيد والتطور، ومرد ذلك لكونه ينهل من روافد عدة، تجعله غنيا بالرمزيات والدلالات التي يمكن أن نذهب في تأويلها شتى الاتجاهات، كما يتميز بحضور الثنائيات والتقابلات التي تعبر عن التطورات التي عرفها المجتمع المغربي، وعن تناقضاتها، في هذا السياق إذا يمكن أن نعدد ثلاث ثنائيات رئيسية تزخر بها احتفالات عاشوراء، باختلاف طقوسها :


الأنثى (الأميسية) / الذكر (الأبيسية) :


ظل المغرب وإلى فترة متأخرة مجتمعا أميسيا، تسود فيه المرأة وتحتل مواقع ريادية، ولم تفلح طبيعة المجتمع القبلية في أن تغير من مكانة المرأة، وهو ما يبدو واضحا من خلال استنطاق النصوص التاريخية كالبيان المغرب لابن عذارى، والحلل الموشية، وغيرها من المصادر التي أرخت للمغرب خلال الفترتين الوسيطية والحديثة، فالمرابطون مثلا كان إذا بلغ الرجل شأنا عاليا دعي باسم أمه، تكريما له، وظل الأمر كذلك عند عدد من القبائل، قبل أن تضطر المرأة لخوض صراع طويل –ابتداء من المراحل المتأخرة للعصور الوسطى- ضد رجال الدين التقليدانيين، آلت الغلبة فيها لهؤلاء، في ظل تغييرات عميقة مست جوهر البنى المجتمعية، وألقت بالمرأة في سجن العقلية الذكورية، لكن برغم ذلك بقيت بعض محاولات الانفلات من هذه السلطة حاضرة، إن في المواسم أو الاحتفالات، فهل تشكل بعض من طقوس عاشوراء جزء منها؟.


لمحاولة الإجابة لنتأمل الصورة التالية والتي تتخلل كل احتفالات عاشوراء : نساء وفتيات يخرجن إلى الشارع يرددن أهازيج تدعو للثورة والتمرد، وتعلن انتهاء سلطة الذكر بشكل مؤقت، تصدح حناجرهن مرددة "بابا عيشور ما علينا حكام ألآلة .. عيد الميلود كيحكموه الرجالة"،  يستوقفنا التقابل الذي تضعه هذه الأغنية بين الميلود والعيشور من جهة، وبين سلطة الذكور وسلطة الإناث من جهة الأخرى، ولماذا إقحام المولد النبوي كإعلان عن عودة سلطة الذكر؟ هل يتعلق الأمر بترسبات الانتقال من الأميسية إلى الابيسية ومحاصرة سلطة المرأة؟ هل يعني استحضار المولد النبوي هنا تمثلا للسلطة الفقهية التي حاصرت المرأة؟.


تساؤلات تعضدها باقي الأهازيج، ففي أحداهن يرد على لسان النسوة "عيشوري .. عيشوري .. دليت عليك شعوري"، وغني عن البيان رمزية الشعر في الديانات التوحيدية، وبالتالي فإن إعلان إطلاق الشعر يشكل تحديا للمنظومة الفقهية التي كانت –ولازالت- تعتبر الحجاب شرطا رئيسيا للتدين الصحيح وتربطه بالعفة والفضيلة؟ ألسنا هنا أمام حالة تحدي لسلطة الذكر المتمثلة في سلطة الفقيه المحاصر للمرأة، تحد تواصله المرأة برفض السلطة الذكورية عبر توجيه الدعوة للبقية ليلتحقن بها فيقلن "اخرجوا الحاجبات .. هذا عيشور عاد جات"، نحن هنا أمام دعوة صريحة لكسر الحواجز المجتمعية والتمرد على الحجب الممارس في حق المرأة، عبر حجبها من الفضاء العام، يصبح الفضاء العام "محتلا" من طرف المرأة، في نوع من رد الاعتبار لها.


لا يمكن أن نكتفي بالمعنى العادي للخروج، أي الخروج إلى أزقة الشوارع والفضاءات العامة وإعلان الاحتفال علنا؟ بل هو دعوة إلى الخروج على سلطة ذكورية قيدت المرأة؟ ودعوة للانفلات من عقال السلطة الفقهية قبل أن تحين لحظة المولد النبوي لتعود من جديد؟ واستحضار لرمزية المرأة الثائرة المتجسدة في "السيدة زينب" التي قامت بدور أساسي في معركة كربلاء، وقادت المعارضة في مواجهة الأمويين، ألسنا هنا أمام ثنائية قد تكون ضاربة لأطنابها في القدم بين الديانات ذات المنزع الأنثوي والديانات ذات المنزع الذكوري؟، ثنائية يكفي تفحص كتب الفقه والنوازل كالمعيار المعرب للونشريسي، للعثور عليها حاضرة في كلام الفقهاء وفتاويهم الرامية إلى محاصرة "خروج المرأة" للفضاء العام


النار/الماء


تحضر النار بشكل لافت في احتفالات عاشوراء عبر ما يعرف بطقس الشعالة، وهو طقس ارتبط بالديانة المجوسية التي كانت حاضرة عند عدد من القبائل المغربية كما تخبرنا بذلك عدد من النصوص التاريخية، إن طقوس عاشوراء المرتبطة بالنار -على تباينها في بعض التفاصيل حسب اختلاف المناطق- تشكل استمرار لذات العلاقة مع النار، التي تغدو بموجبها هذه الأخيرة مصدرا للخير والبركة، حيث كان يسهر الفقهاء والطلبة في بعض المناطق على إيقاد النار التي يمر الدواب من جوارها، ثم الأطفال الصغار، فأفراد الأسرة حتى يأخذوا بركة دخان النار المشتعلة بأغصان أشجار مباركة –كانت الزيتون في الأغلب- ليبدأ بعدها الاحتفال بالنار عبر القفز فوقها، وهو ما قد يشكل تكرارا لفكرة إلقاء ابراهيم في النار ونجاته منها، تغدو النار في طقوس عاشوراء إذا إرثا مجوسيا إبراهيميا ترمز للبركة، للحياة وللتحدي.


في مقابل النار يحضر الماء سر الحياة، والذي يكتسي حضورا متميزا في طقوس عاشوراء عبر ما يعرف بالتزمزيمة، عندما يسارع الأطفال والشباب إلى رش بعضهم البعض بالماء، ينهل اسم الطقس من مرجعية دينية واضحة، فهو إحالة على البئر المقدسة لدى المسلمين، لكن الممارسة كانت حاضرة لدى اليهود المغاربة قبل ظهور الإسلام بزمن، وهي ترمز للطهارة والتطهر من الخطيئة، هكذا إذا يصبح فعل التطهر اليهودي مكتسيا للصبغة الإسلامية من خلال اسمه.


تقابل النار رمز العقاب، الماء رمز الحياة، فيمتزجان في معنى التطهر والبركة، ويحلان في طقس واحد ينهل من الموروث ما قبل الإسلامي متدثرا بمناسبة إسلامية.

 

الصوم/ الأكل


ثنائية التطهر والبركة تحضر على صعيد آخر في طقوس عاشوراء، في مقدمتها الصوم والذي يشكل طقسا مشتركا بين الديانات الإبراهيمية والديانة المجوسية وحتى بعض الديانات التعددية (الوثنية)، إن الصوم رمز للطهارة وللتكفير عن الخطيئة والمعاصي، يتخذ هنا بعدا مقدسا وجزء في سلسلة التطهير التي تتم خلال أيام عاشوراء داخل المظاهر الاحتفالية حيث تمتزج بالفرح.


في مقابل الصوم يحضر الأكل لا باعتباره مجرد طقس دنيوي لإنقاذ الجسد من الهلاك، أو إشباع حاجة بيولوجية، ولكن باعتباره استمرارا للمقدس ولرحلة التطهر، من خلال طبيعة الأكلات التي يتم تناولها خلال أيام عاشوراء، سواء تعلق الأمر ب"الفاكية" وهي مجموعة فواكه جافة كانت تقدم في الاحتفالات المسيحية، أو بتناول باقي أضحية العيد لذي تم السهر على حفظه وخزنه بطريقة معينة، وهنا يجب أن نشير إلى أن عددا كبيرا من قبائل المغرب كانت تعبد "الكبش" كما ذكرت كتب المؤرخين، فهل يشكل الأمر استمرارا لفعل وثني مقدس عبر التركيز على أجزاء معينة من الخروف وطهيها وفق طريقة خاصة يحضر فيها الملح ذو الرمزيات المتعددة في تاريخ الأديان؟ خاصة ما يتعلق بالتكفير عن الخطيئة أو طرد اللعنة؟ وهل يمكن أن نقيم علاقة بين تناول لحم الأضحية وفكرة الفداء والتضحية؟ وهل يمكن أن نقيم علاقة بينه وبين مقتل الحسين كفعل استشهدي؟. هي أسئلة تصعب الإجابة عليها في ظل التعقيد الذي يطبع النسق الاحتفالي بعاشوراء في المغرب.


هذه عاشوراء المغربية إذا، صيام إبراهيمي ماجوسي، في مقابلة أكل بأطباق مسيحية إسلامية وثنية. نار ماجوسية في مقابل ماء يهودي، وإعلان عن انفلات مؤقت من سلطة الذكر والعودة إلى المرحلة الاميسية. هي ثنائيات وتقابلات تحضر مجتمعة دون أن يغيب أحدها الآخر، تمتزج فيها طقوس التطهير بالتكفير عن الخطيئة بالفداء داخل قالب من الاحتفال المبهج، ويمارسها المغربي على اختلاف ديانته ومرجعياته دون إحساس بالتناقض، لتخرج به بذلك من دائرة الهويات المغلقة المحددة سلفا، إلى دوائر أرحب يلتقي فيها الإنساني بالمقدس ويمتزج التوحيدي بالوثني، لتعبر عن جوهر الإنسان الحقيقي المتسم بالتنوع وبالاختلاف، أفلا تشكل عاشوراء في المغرب أنموذجا لقدرة الإنسان على العيش في ظل التنوع وتجاوز الهويات المغلقة والتصنيفات النمطية؟ أليست لحظة الفرح التي تخلفها احتفالية عاشوراء دليل على أن الحياة لا تتحقق إلا بالتنوع بالاختلاف؟

©️ Copyright Pulse Media. Tous droits réservés.
Reproduction et diffusions interdites (photocopies, intranet, web, messageries, newsletters, outils de veille) sans autorisation écrite