logo du site ledesk
بالعربية
مختارات لوديسك بالعربية

Connectez-vous

Mot de passe oublié ?

Abonnez-vous !

Découvrez l'offre de lancement du Desk

60 DH
1 mois
Découvrir les offres
26.07.2017 à 23 H 43 • Mis à jour le 30.07.2017 à 11 H 48
Par
20 يوليوز

الحسيمة تحت رحمة الغاز حيث وُجدنا في تاريخ وجغرافيا يصنعان تاريخاً جديداً

منع لولوج المدينة، عسكرة للساحات والشوارع الرئيسية، صفارات إنذار، إصرار على التظاهر، دوي انفجارات، تدافع، إغماءات، مطاردات، مواجهات، إصابات، واعتقالات... هكذا قضت الحسيمة ونواحيها ما يزيد عن ست ساعات من الاحتقان والرعب والهلع حيث حاول مئات من المحتجين الوصول إلى ساحة "الشهداء" استجابة لنداء نشطاء الحراك الاجتماعي بالريف إلى التظاهر يوم العشرين من يوليوز الموافق لذكرى معركة أنوال الشهيرة مقابل تشبث السلطات المحلية بتنفيذ قرار المنع الصادر عنها قبل أيام من موعد المسيرة، مما رفع من حدّة التوتر الناتج عن إصرار المتظاهرين على الاحتجاج مقابل التدخلات العنيفة لقوات الأمن التي استعملت بإفراط بالغ قنابل الغاز المسيل للدموع على طول وعرض المدينة، في يوم طويل وليلة كادت أن تكون بلا نهاية، عاشت الحسيمة وباقي المناطق المجاورة لها ساعاتها جحيما حاولنا رصد مختلف صوره في هذا الروبرتاج المفصل.




"كيف سنصعد هذه العقبة برجل واحدة؟
نحن كلّنا ضعفاء، وليست لنا قدرة...
كيف سنترك الطريق ونستمر؟
هذه الطريق طويلة إلى أن تمضي أعمارنا"


ولجنا الريف على إيقاع أغنية " ? anari Mac Yaneg أو كيف سنصعد؟ للمغني الريفي الشهير "خالد إزري" الملتزم والمرتبط بتاريخ المنطقة. الأغنية التي سبق وغناها آلاف المتظاهرين في ختام إحدى المسيرات الاحتجاجية التي تعرفها المنطقة على مدى تسعة أشهر متواصلة، على نفس إيقاعاتها سنغادر الريف لاحقا وعليها أيضا كتبنا هذا النص المفصل حول كلّ ما دار بمدينة الحسيمة قبل وأثناء وبعد المسيرة المحظورة. شرعنا في كتابة هذا النص على طول المسافة الفاصلة بين المدينة والدار البيضاء وفرغنا منه بعد ثلاثة أيام من العودة.



نجحنا في الدخول فيما ظل كثيرون خارج المدينة

من حسن حظنا أننا وصلنا في ساعات مبكرة من صباح الخميس 20 يوليوز، ومن حسن حظنا أن الحافلة التي أقلتنا كانت لشركة خاصة، ومن حسن حظنا أيضا أن المراقبين اكتفوا فقط ببعض المعلومات التي أدلى بها سائق الحافلة، الأمر الذي سهل علينا ولوج المدينة عكس ما عاناه عديد ممن حاولوا الدخول إليها بعدنا بساعات. فقد عمدت السلطات المحلية بمعية مختلف الأجهزة الأمنية المتواجدة بالمنطقة منذ شهور إلى تشديد الخناق على كلّ من يقصد المدينة بغية المشاركة في المسيرة.
نقط التفتيش التي وضعت عند كل الحواجز الأمنية التي غطت جل منافذ المدينة كانت لا تسمح للراغبين في اجتيازها وولوج الحسيمة بالدخول إلاّ بعد التأكد من هوياتهم ونجاحهم في الاختبار التحقّقي حول نوع الزيارة وسببها وتدوين أسماء وهويات الداخلين من غير المنتمين للمنطقة في جذاذات حمراء خصصت لغرض الفرز ربما.


بعض من تمكنوا من العبور أكدّوا فيما بعد أنّ عند بعض نقاط التفتيش كان لزاما أن يتم التحقق من محتوى الهواتف الذكية ومحتوى مواقع التواصل الاجتماعي لأصحابها، وبعض الممنوعين من دخول المدينة منعوا على هذا الأساس حيث كان محتوى تلك المواقع بمثابة صك دخول أو مانع لذلك. فيما ظل عدد من المواطنين الراغبين في الوصول إلى الحسيمة مرابطين هناك بغية إيجاد سبل للنجاح في ذلك دون جدوى لأن الصرامة التي عوملوا بها كانت تمنع كل محاولة.




أمّا عن النشطاء القادمين من القرى والمداشر المتاخمة لمدينة الحسيمة فقد اختاروا النفاذ عبر الشعاب للوصول إلى المدينة، لتيقنهم من استحالة عبور مداخل المدينة الرئيسية المعبأة بنقاط التفتيش، فيما اختار بعض نشطاء قرية تماسينت شمال الحسيمة الدخول للمدينة بحرا مستعينين في ذلك بقارب صغير لصيد السردين.

إلى ساحة الشهداء عسكرة رهيبة وإنزال إعلامي غير مسبوق

بعد جولة في حي"موروبياخو" بإفريزه الساحر وسوقه الشعبي القريب من وسط البلد، قصدنا ساحة محمد السادس أو ساحة "الشهداء" كما أسماها النشطاء والساكنة بُعيد انطلاق الحراك الاجتماعي بالمنطقة على خلفية مقتل السماك "محسن فكري" طحنا داخل شاحنة لنقل النفايات، مرورا بساحة الريف وشارع محمد الخامس في مسير استغرق زهاء عشر دقائق، وصلنا أخيرا إلى الساحة التي شهدت كلّ الأشكال الاحتجاجية التي رافقت حراك المنطقة.


الساحة معسكرة بالكامل، سيارات الشرطة والقوات العمومية قد أحاطت المكان بالكامل، وفي الشوارع القريبة منها أيضا تم ركن سيارات وعربات بعدد هائل، رجال الأمن بالزي الرسمي والزي المدني أيضا يملؤون الفضاء لكنّهم لم يمنعوا لحد الساعة أيّ أحد من دخول الساحة. المشاة والراكبون ما زالوا يعبرون بجانبها وداخلها.




نفس الإنزال الأمني الرهيب هنا يقابله إنزال من نوع آخر، عشرات القنوات والمواقع الأجنبية تحتل الساحة هي الأخرى، وقد شرعت منذ الساعات الأولى للنهار في نشر معداتها والشروع في تحصيل ما تستطيع تحصيله من سبق وتصريحات وتعليقات حول حدث اليوم، إلى جانب عشرات من أطقم الجرائد والمواقع المحلية والوطنية التي حضرت هي الأخرى لمواكبة وتغطية ما سيسفر عنه إصرار النشطاء على التظاهر في مقابل تشبث السلطات العمومية بقرارها القاضي بمنع هذه المسيرة.


حالة الرهبة، الترقب، التوتر، الرعب والخوف في ظل هذه الأجواء المشحونة بانت واضحة على وجوه وتعابير كلّ من قابلناهم داخل الساحة وخارجها وفي جوارها. وحدها تلك النسمات المتوسطية التي كانت تهبّ بين فينة وأخرى قادمة من شاطئ "كويمادو" المجاور لطّفت الأجواء قليلا وخفّضت من حرارة الطقس وحرارة المشهد.

كثير من الرهبة والترقب من أجل تدوينة

أول ما يلاحظ بالحسيمة هذا اليوم هو ضعف صبيب الأنترنت الذي يكاد أن يكون شبه منعدم، بل ومنعدما بالكامل في معظم مناطق المدينة. ضعف التغطية بالنسبة لشبكات الاتصال كان واضحا ما حال في عديد من المرات دون تمكيننا من التواصل هاتفيا.
كثير من الانتظار للتمكن من نشر تدوينة حول الأوضاع بالشارع وكثير من التوتر والرهبة أيضا من أجل الحصول على كمية من الصبيب تكفي لمطالعة محتويات وسائط التواصل الاجتماعي والتدوينات المتعلقة بمسيرة اليوم. الأخبار القادمة من خلف الحواجز الأمنية هناك في مداخل المدينة لا تبشر بالخير، القادمون من العروي، أجدير، إيمزون وغيرها من المناطق المحيطة بالمدينة ما زالوا يواجهون بالمنع، والمحلات التجارية والمقاهي من حولنا قد بدأت عملية الإغلاق، وخبر اعتقال الزميل "حميد المهدوي" مدير موقع بديل من شارع عبد الكريم الخطابي القريب من ساحة التظاهر كان صاعقا لكلّ من يتلقاه، لقد انطلقت حملة الاعتقالات إذا !

انطلاق الإضراب العام، غلق الساحة وعسكرة معظم الشوارع

بعد ورود الأنباء التي تفيد بأن سكان بلدة إيمزورن "21 كيلومترا" شرق الحسيمة، قد نفذوا الإضراب العام واتخذوا الطرق الجبلية سبيلا للوصول إلى الحسيمة قصد المشاركة في مسيرة اليوم، وكما المتفق عليه مسبقا شرعت معظم المقاهي والدكاكين والمحلات التجارية في الإغلاق تنفيذا للإضراب العام الممهد للمسيرة، كما دعا إليه نشطاء الحراك قبل اعتقالهم وبعده.


كانت الساعة تشير إلى الثالثة وعشرين دقيقة من زوال الخميس 20 يوليوز حين ظهرت جليا معالم الاستجابة للإضراب الذي غير ملامح المدينة نحو الشحوب التام. المضربون بدؤوا بإغلاق محلاتهم رافعين شارات النصر في وجوه وأمام كاميرات الإعلاميين الذين هبّوا إلى هناك قصد توثيق اللحظة كاملة، ما يفيد أن العملية نابعة عن قناعة وتبنٍّ للخطوة عكس المشاع بأن المغلقين يسارعون إلى ذلك مخافة التخريب والنهب الذي قد يطال محلاتهم تزامنا مع مثل هذه المظاهرات. بل منهم من ردّدوا شعارات تطالب بإطلاق سراح المعتقلين ورفع العسكرة عن المنطقة وسط معاينة لدوريات الأمن التي كانت تجوب ساعتها أبرز شوارع المدينة. بعض المحلات لم تغلق إلا لحظة انطلاق الفعل الاحتجاجي، وبعضها لم تغلق رغم كلّ هذه الأجواء المشحونة.




أمام تسارع الدقائق والأحداث قامت قوات الأمن بعد إحكامها إغلاق ساحة محمد السادس من جميع الجهات بتعزيز ترسانة العربات الأمنية المرابطة هناك بأكثر من ثلاثين عربة، تفرقت بين سيارات الشرطة وسيارات القوات المساعدة. مدفع مائي كان هناك بين العربات. بادرت السلطات الأمنية بعد ذلك إلى نشر مزيد من قواتها في عديد من النقاط المحيطة بالساحة قد تشكل منفذا للمتظاهرين نحوها، وتكريسا لمقاربتها الأمنية وإصرارها على تنفيذ قرار منع المسيرة، وهذا ما وقع بالضبط فقد أحكمت الدوريات الأمنية السيطرة على الشوارع الرئيسية للمدينة والقريبة من ساحة الشهداء كشارع عبد الكريم الخطابي، شارع محمد الخامس، شارع طارق بن زياد وشارع الحسن الثاني محولة إياها إلى قطع وأجزاء يصعب اختراقها أو لحمها ببعضها أو حتّى الوصول إلى بعضها. سيارات الشرطة التي كانت تجوب تلك الشوارع على شكل رتل هائل، مطلقة صافرات الإنذار خاصتها، محدثة بذلك رهبة وهلعا سيطر على الفضاء. بعض الصغار أطبقوا على آذانهم من شدّة الصوت المنبعث منها وجل المارة سارعوا نحو الخروج من تلك الشوارع متحدثين إلى بعضهم البعض باللهجة المحلية التي لم نفهم منها إلاّ بعض الكلمات كـ "ارواح"، "المخزن"، و"المسيرة".


أمام هذا الوضع الأمني الرهيب لم يعد هناك من يعرف من أين ستنطلق المسيرة ولا مسارها ولا حتّى نقطة نهايتها، ولا أحد يعلم حتّى ساعة انطلاقتها، كلّ التوقعات والوشوشات التي كانت أغلبها بالأمازيغية وما راجت به مواقع التواصل الاجتماعي كانت تفيد بأن التجمع سيكون بشارع طارق بن زياد.

جنبا إلى جنب، الزفزافي يحضر رفقة عبد الكريم الخطابي

لم يغب القائد التاريخي لمنطقة الريف محمد بن عبد الكريم الخطابي عن أرخبيل احتجاجات اليوم، ولم يغب أيضا "ناصر الزفزافي" القائد الميداني للحراك الاجتماعي بالمنطقة والمعتقل على هذه الخلفية، فالمتظاهرون الذين توافدوا على الشوارع المحيطة بساحة التظاهر قد جلبوا معهم رمزية القائدين الغائبين إلى المكان، قمصان "كلنا الزفزافي" وعبارات "الحرّية للزفزافي" كانت ترصع صدور عدد من الشباب المحتجين، صوره المؤطرة كانت حاضرة بكثافة أيضا. صور ولافتات وأعلام كثيرة ظهرت عليها هي الأخرى صور القائد الرمز "محمد بن عبد الكريم الخطابي"، الصبية أيضا حملوا صورا صغيرة للقائد الرمز وهتفوا بالحرّية للزفزافي وباقي المعتقلين.




"مورو بياخو" شعارات وزغاريد سرعان ما أخرسها الغاز

"الجماهير انظموا انظموا والشهيد ضحى بدمو" "الشعب يريد صراح المعتقل" هناك بموروبياخوا بعيدا عن شارع طارق بن زياد المكان المتوقع لانطلاق المسيرة بأكثر من كيلومتر، صدح الشعار بعد الشعار، علت زغاريد النسوة الحاضرات ودوت حناجر المحتجين معلنة انطلاق الشكل الاحتجاجي المرتقب غير آبهة بالجحافل الأمنية المنتشرة طولا وعرضا. أبناء هذا الحي الشعبي كانوا اليوم أول من تحدّوا قرار المنع الصادر عن سلطات الحسيمة قبل ثلاثة أيام بشأن مسيرتهم، حيث تجمع المئات من ساكنة الحي هاتفين بشعارات تحفز بقية المترددين والواقفين على بعد أمتار من تجمعهم قصد الالتحاق بهم. شباب، أطفال، نساء، كهول، وشيوخ ، معزّزين بأفراد من الجالية المقيمة بالخارج شكّلوا حلقة بشرية سرعان ما ازداد حجمها وكبرت مشكلة نواة للمسيرة التي سرعان ما تدخلت قوات الأمن لاحتوائها وتفريقها بواسطة عرباتها ومجموعات من المشاة التابعين للشرطة والقوات المساعدة. تدافُع رجال الأمن والقوات العمومية مع المتظاهرين قصد تفرقتهم لم يجدي، فالمحتجون كانوا أكثر إصرارا على تجاوز الحاجز الأمني المفروض على مخرج الحي نحو شارع محمد الخامس المؤدي إلى ساحة محمد السادس. بعضهم دخل في مناوشات حادة وتبادل للتدافع، بعضهم سقط أرضا من جراء الوخز والركل الذي استعمله رجال الأمن لتفريق المجتمعين، وبعضهم الآخر كان يلقي بنفسه أمام سيارات الشرطة احتجاجا على التدخل العنيف لأفرادها. إصرار المتظاهرين على تحدي المنع عجل باستعمال الغاز المسيل للدموع.




بعد هذا التدخل وتفريق هذا التجمع انسل عدد كبير من المحتجين نحو الأزقة الخلفية للحي. مشتتين قاموا بالتجمع قرب كورنيش موروبياخو معاودين تشكيل مسيرة والعودة بها للخروج إلى شارع محمد الخامس. قوات الأمن هي الأخرى كانت مصرّة على دحر أي تجمع وهو ما عجل بتفريق ذاك التجمع البشري من جديد باستعمال مفرط لقنابل الغاز المسيل للدموع.
ومنذ ذلك الحين انطلق وتواتر سقوط ضحايا هذا التدخل العنيف، بين اختناقات وإغماءات وإصابات مباشرة بخراطيش الغاز التي صوبت في كثير من الأحيان في اتجاه أجساد المتظاهرين.

شارع الحسن الثاني أول الفلتات

أول شرارات المواجهة بين قوات الشرطة والمتظاهرين كانت على مستوى شارع الحسن الثاني، حيث حاولت مجموعة صغيرة من المحتجين عبوره على الرغم من المنع، ما أدى إلى تدخل عناصر من القوات المساعدة مرفوقة بأفراد من الشرطة بزي عسكري ومدني للحيلولة دون اجتيازهم له. إلاّ أن تصميم المتظاهرين على عبور الشارع جعلهم عرضة لقنابل الغاز المسيل للدموع التي حاول بعضهم إعادتها نحو قوات الأمن وهو الفعل الذي حوّل تلك المناوشات إلى مواجهات مباشرة بين الشرطة والمحتجين الذين سرعان ما كفوا عن المواجهة وانسحبوا نحو الأزقة والدروب المحيطة بشارع الحسن الثاني إلى الأحياء الهامشية للمدينة، حيث ستدور لاحقا مواجهات أعنف إلى حدود الساعات الأولى من اليوم الموالي.

حي المنزه، حي السلام تجمع يهزم الغاز إلى حين

بعد النداءات التي عمت "الفايسبوك" و"تويتر" حول الالتحاق بالتجمع الجماهيري بحي المنزه قام محتجون بتشكيل مسيرة عبر شارع السلام وصولا إلى مسجد حي المنزه بالقرب من زنقة علال الفاسي بالحي نفسه، حيث تشكّل تجمع شعبي غفير بقيادة الناشطة "نوال بنعيسى" التي كانت أبرز الداعين للالتحاق بالتجمع عبر تدوينة على حسابها الشخصي. هذه المسيرة التي تجاوز عدد المشاركين فيها 3000 متظاهرا كانت الأكبر والأضخم من بين المسيرات الأخرى التي جابت متفرقة كثيرا من الأحياء بالمدينة، حيث كان كل تجمع يفض ينسحب مشكلوه نحو تجمع المنزه.




إلى وسط المدينة كانت الوجهة وسارت المسيرة في تجمع بشري هائل، المحتجون واصلوا الهت
اف بأسماء المعتقلين وردّدوا شعارات "كرامة، حرّية، عدالة اجتماعية" على طول المسير. من خلف سينما "الكبير" قريبا من ملعب "ميمون العرصي" بانت من قلب المسيرة رايتان مرتفعتان، واحدة لجمهورية الريف، وأخرى لـ ""تامزغا" الكبرى" مؤذنتين بوصول طليعة المسيرة إلى أقرب نقطة من شارع طارق بن زياد المطل على ساحة محمد السادس حيث كان من المفترض لمسيرة اليوم أن تتم من داخلها.


تقدمت سيارة من الحجم الكبير بلون أزرق داكن وترقيم أجنبي من المسيرة، كان على متنها شباب يرفعون علما أمازيغيا ويردّدون شعارات تكرّرها الجماهير المشاركة في تناغم تام. خلف لافتة يقدّر طولها بخمسة أمتار وبعبارة "أنا ريفي والكل يعرفني"، عبر المحتجون من الجهة الجنوبية للملعب. الحناجر تدوي وتهتف والأعلام الأمازيغية ترصع الفضاء، وقبل المسيرة بأمتار ظلت سلسلة بشرية من المتظاهرين تؤطر المشهد وتتأكد من أن المسار آمن وأن لا وجود لأي فيلق أمني في الجهة المقابلة. لكن ما إن أوشكت المسيرة على الوصول إلى شارع طارق بن زياد على بعد يناهز 200 متر من ساحة محمد السادس حتّى دوى صوت الخراطيش وتساقطت القنابل على الرؤوس من جديد. قوة أخرى للتدخل مرفوقة بعناصر من القوات المساعدة وأفراد الشرطة كانت متأهبّة بالقرب من باب المنصّة الشرفية للملعب، مستعدة لوصول المحتجين الذين استقبلتهم وفق أوامر المنع بقنابل الغاز المسيل للدموع لتفرقتهم.


بعد أن غمر الغاز المكان لاذ الجميع بالفرار عائدين أدراجهم نحو "سينما الكبير". السيارة نجحت في الإفلات من رجال الأمن بعد أن حاول أحدهم صعودها وضرب من كان فوقها في مشهد مضحك، فيما فضل آخرون الهرب عبر الأزقة القريبة من الملعب. قوات أخرى ظلت مرابطة هناك مستعملة هي الأخرى القنابل لمحاصرتهم. ألقي القبض على مجموعة من المتظاهرين في الشارع الخلفي للملعب بعد محاصرتهم فيما نجا بعضهم بعد لجوئه إلى الأزقة الخلفية لفندق "لابيرلا" والبعض الآخر تمكّن من الهرب بعيدا عبر زقاق التهامي البكاي. عربة أمنية مصفحة كانت تؤمن تدخل رجال الأمن وتخلي الأزقة القريبة للملعب حضرت لتنقل الموقوفين، فيما حاولت مجموعة صغيرة من النساء جاهدات منع نقل أولئك الموقوفين في توسل وشدّ وجذب بينهن وبين أفراد الشرطة انتهى بلا جدوى حيث قام أحد رجال الأمن بدفع شابة سقطت مرمية على الرصيف وسط موجة من الاستهجان وصفير المحتجين المتفرقين عبر الدروب.

شارات نصر، شعارات، بكاء وكثير من الإغماءات

"الموت ولا المذلة" وسط الكم الهائل للقنابل المسيلة للدموع واصل المتظاهرون عبر هتافهم بهذا الشعار وغيره من الشعارات الأخرى المنددة بما يقع، محاولة الاستمرار في الاحتجاج والوصول إلى ساحة الشهداء (كما سماها نشطاء الحراك منذ عدّة شهور). المحتجون واجهوا الغاز بقنينات الماء وبقمصانهم المبللة التي كمموا بها أنوفهم لمنع استنشاق الانبعاثات الغازية للقنابل المصوبة اتجاههم، إلاّ أن الاستعمال المفرط لها أعمى عيون كثيرين وتسبب في حالات إغماء كثيرة. مشاهد دفعت كثيرين ممن عاينوا المشهد إلى نوبات بكاء هستيرية. صغيرة تلوح من بين ذراعي أمها بشارة النصر وهي تبكي من جراء ما استنشقته من الغاز، طفلة أخرى تشكو من آلام حادة على مستوى عينيها ووالدها يهدد بعدم العودة مجددا للمغرب الذي يقابل عودة أبنائه بالقنابل حسب تعبيره. أمهات تركضن هلعا ورهبة ومسنون يبكون بحرقة بسبب ما أسموه بـ "الحكرة".



للنساء أيضا حظ وافر من المنع والدفع أيضا

قرب مقهى "شابلن" دار احتدام من نوع خاص في صراع أنثوي صرف بعد أن لجأت السلطات الأمنية إلى تفويض تطبيق أمر المنع لشرطيات ارتدين ما ارتدى الذكور من خوذ وستر واقية للصدور، حيث قادت والدة المعتقل ناصر الزفزافي القائد الميداني للحراك، تجمعا نسائيا صرفا. قامت المتجمعات هناك بترديد شعارات تعبر عن تضامنهن مع المعتقلين ومطالبتهن بإطلاق سراحهم بالإضافة إلى التعبير على انصهارهن التام في كل الأشكال الاحتجاجية التي تعرفها منطقة الريف منذ أشهر. وقد تدخلت فرق الأمن النسائية مدعومة ببعض رجال الأمن المدني الذين تميزوا بستراتهم لتفرقة الوقفة النسائية التي أبانت فيها المحتجات عن إصرار على مواصلة الاحتجاج والالتحاق بباقي التجمعات الأخرى. وبعد أخذ ورد ودفع وملاسنات نجحت القوات الأمنية في تفريق المتجمعات اللائي كانت من بينهن أم وخالة المعتقل ناصر الزفزافي، أمه التي أصيبت بنوبة عصبية أدخلتها في حالة هستيرية من الصراخ والبكاء والنحيب احتجاجا على مصادرة حقها في التضامن مع ابنها المعتقل كما فهم من تصريحاتها ومشاداتها الكلامية مع أفراد من الشرطة.





عدد من النساء سقطن ضحايا للإغماءات والاختناقات، وعدد منهن تعرضن للركل والضرب، وأخريات شوهدن مرميات على الأرض نتيجة للمقاربة الأمنية العنيفة في فض التجمعات الاحتجاجية لهذا اليوم.

البصل و"كوكا كولا" لمواجهة الغاز

في شارع طارق بن زياد المقطوع والمجزّأ وباقي الأزقة المتفرعة عنه دار سجال من نوع آخر، تحدى فيه المحتجون وابل القنابل الغازية التي أفرطت عناصر الأمن في استعمالها بشكل مبالغ فيه. زادُ هؤلاء المتظاهرين وسلاحهم سلميتهم، إضافة إلى قنينات الماء وقمصانهم المبللة التي يضعونها على وجوههم كلّما لعلعت الخراطيش الغازية من حولهم على شكل لثام واق يحد من نفاذ تلك الانبعاثات الغازية إلى صدورهم. والشيء الجديد المبتكر هو رشهم لمشروب "كوكا كولا" على وجوههم وأعينهم في خطوة للتخلص من احمرارها والتخفيف من الآلام الصادرة عن نفاذ تلك الغازات إليها. نفس فعالية هذا المشروب الغازي في صدّ تأثير الغازات المسيلة للدموع كانت للبصل حيث حمل جل المتظاهرين في أياديهم حبّات من البصل المفروم التي تقاسموها فيما بينهم.





هذا وقد قام عديد من المتظاهرين بتوزيع كميات كبيرة من البصل على بعضهم البعض دون مقابل. أحد المواطنين حمل صندوقا من البصل وجاب به الشارع مانحا محتواه للمحتجين. وعلى المنوال ذاته قام أصحاب المحلات والدكاكين المختصة في بيع المواد الغذائية بتوزيع كميّات هائلة من مشروب "كوكا كولا" مجانا على المتظاهرين. وفي مقابل القصف الغازي الذي تعاملت به القوات الأمنية لتفرقة تلك التجمعات الاحتجاجية كان للساكنة رأي آخر، فقد رابطت مجموعة كبيرة من النساء عند نوافذ منازلهن يقذفن عقب كلّ تدخل أمني كميات كبيرة من البصل وقنينات الماء وقطع القماش المبللة نحو المتظاهرين في تضامن تام. كما أن عددا لا بأس به من العائلات فتحت أبوابها للمصابين والمختنقين لتقديم الإسعافات الأولية لهم ومساعدتهم على التنفس واسترجاع وعي كثيرين، كما الشأن مع أحد الزملاء في موقع "فبراير.كوم" الذي سقط مغمى عليه جراء استنشاقه كمية كبيرة من الغاز.

السيارات تصدح وتحتج هي الأخرى

في خضم الكرّ والفرّ والغاز والبصل، نجح موكب كبير من السيارات في الوصول إلى قلب المدينة بعد دعوات من المتظاهرين الذين استنجدوا بهم قصد فكّ الحصار والعزلة التي يعانونها من داخل الأزقة والأحياء القريبة من ساحة التظاهر، الشيء الذي حال دون وصولهم إليها، على الرغم من تحديهم لكلّ التدخلات الأمنية الرامية لتفريقهم. بالإضافة إلى سيارات الأجرة أغلب تلك السيارات كانت تحمل ترقيما أجنبيا ما يدل على أن أفراد الجالية المغربية المقيمة في الخارج في ارتباط وطيد مع قضايا الداخل، أسر وعائلات بأكملها كانت في قلب تلك السيارات، أعلام أمازيغية، صور للمعتقلين، هتافات وشعارات مرفوقة بطنين أبواق تلك السيارات الذي امتد صداه إلى غاية عديد من الأحياء الأخرى. كلّ هذا كان كفيلا بأن يهز وسط المدينة أزيد من ساعة.






سيدي منصور، بوجيبار مواجهات في الهامش

المنسحبون نحو هذه الأحياء والمنحدرون منها وكلّ الذين وجدوا أنفسهم محاصرين داخل الدروب الشعبية والأزقة المؤدية إليها، حاولوا جاهدين التغلب على المد الأمني العالي والطوق المضروب عليهم لمنعهم من الالتحاق بقلب المدينة، حيث يدور صراع غير متكافئ بين محتجين سلاحهم الهتاف وبعض اللافتات وقليل من الماء والبصل، وبين عناصر الشرطة والقوات المساعدة المستعملة لكل الوسائل المباحة وغير المباحة لتفريق كلّ من نزل إلى الشارع في تحد لقرار المنع الصادر عن وزارة الداخلية عبر عمالة الحسيمة. بعد كم هائل من الكرّ والفرّ ومحاولات تجاوز الحواجز الأمنية المثبتة هناك وبعد ارتفاع حدّة التوتر والمناوشات بين المتظاهرين وقوات الأمن، انتقل الوضع إلى المواجهات المباشرة بين من يلقي بالحجارة من جهة وبين من يلقي بالحجارة وقنابل الغاز المسيل للدموع من جهة أخرى. وقد حاول المتظاهرون عرقلة قوات الأمن المدعومة بالعربات المصفحة عبر وضعهم حاويات الأزبال والصناديق الخشبية المشتعلة في عرض الشوارع والأزقة الرئيسية لتلك الأحياء. استمرت المواجهات إلى حدود الساعات الأولى من صباح الجمعة 21 يوليوز وانتقلت من هناك إلى بعض الأحياء الأخرى ومحيط مستشفى محمد الخامس وإلى قرية أجدير أيضا غرب الحسيمة.

مصلّون تحت وطأة القنابل

خلف "مسجد غينيا" عند ساحة أفريقيا حيث كانت أولى التجمعات الاحتجاجية لليوم والتي قوبلت بعنف مبالغ فيه قصد تفرقة الحشود المجتمعة هناك عبر قنابل الغاز المسيل الدموع بعد سيل من الدفع والركل والضرب والاعتقالات والإصابات غير المجدية في ثني المتظاهرين عن سعيهم تنفيذ المسيرة الموعودة.


تجمّع عديد من المحتجين الذين قدّر عددهم في حوالي 500 متظاهر محاولين بلوغ شارع عبد الكريم الخطابي من جديد بعد أن تم إيقاف مسيرتهم بنفس النهج والمقاربة التي تم التعامل بها مع كلّ التجمعات الأخرى، فقد كانوا على موعد مع قنابل الغاز على مقربة من ثانوية أبي يعقوب الباديسي مرغمة إيّاهم على العودة من حيث انطلقوا. وقام المتظاهرون الذين كان أغلبهم شيوخا باللجوء إلى البوابة الكبرى لمسجد غينيا التي كانت مفتوحة لتزامن الاحتجاج مع موعد صلاة العصر حسب توقيت المنطقة. وقد لجأ هؤلاء للمرابطة من داخلها مرددين شعارات من قبيل "الموت ولا المذلة" "كلّنا مناضلين غير شدّونا كاملين". عناصر الشرطة والقوات المساعدة سارعوا لاجتثاثهم من هناك حيث عمدت مجموعات منهم إلى صد كلّ من يود الالتحاق بالتجمع عبر الدفع تارة والركل تارة أخرى، فيما حاصرت قوات من أفراد الشرطة بزي مدني وستر واقية للجسم الأمني كلّ المحتجين المعتصمين داخل بوابة المسجد. استمر المحتجون في ترديد الهتافات والشعارات في تحدّ لقوات الأمن التي واجهت هذا التحدي من جديد عبر وابل من القنابل المسيلة للدموع محدثة بذلك موجهة كبيرة من الاختناقات والإغماءات بعد أن بلغت الغازات المنبعثة منها قلب المسجد مسببة مزيدا من الضرر على مستوى صدور وأعين المصلين الذين فرّوا من هناك نحو الخارج ليفاجئوا بمزيد من العنف والاستعمال المفرط لتلك القنابل التي قابلها عديد من المحتجين بصدور عارية.




" ماشي حرام" "هذا منكر منكر" "ضربونا فالجامع بالدخان" "الكفّار ما يديرو فينا هاذ المصيبة" هكذا كان ردّ أحد المصلين الذي أخد يبكي ويصرخ وسط كم هائل من الرهبة والهلع المخيم على المدينة.
كلّ الحالات التي استدعت تدخل عناصر الوقاية المدنية كانت توثق بصور وفيديوهات مخافة اعتقال المصابين من قلب المستشفى، وتلفيق تهم التخريب لهم كما سبق وحدث مع عديد من المعتقلين حسب قول من كانوا يقومون بتصوير مشاهد نقل أولئك المصابين. عديد من المصابين أيضا رفضوا نقلهم إلى المستشفى مخافة اعتقالهم من هناك.

الصحفيون لم يسلموا هم أيضا

التعنيف لم يطل المتظاهرين فقط، بل تعداهم كي يصل إلى الصحفيين الذين أدى بعضهم بشكل رهيب ضريبة مهنيتهم ومصداقيتهم وسعيهم لنقل كلّ الأحداث بموضوعية. صحفي من موقع "فبراير.كوم" كان أول رجال مهنة المتاعب الذي سقط مغمى عليه من فرط استنشاقه للانبعاثات الصادرة من قنابل الغاز المسيل للدموع حيث قامت مجموعة من المتظاهرين والساكنة بحمله وإسعافه حتى استعادة وعيه. صحفي آخر لـ "جريدة أخبار اليوم وموقع اليوم24" سقط أيضا من جراء تعرضه لانفجار قنبلة غازية بالقرب منه وهجوم رجل أمن عليه عبر ضربه بحجر على مستوى كليته، استطاع هذا الصحفي توثيق لحظة الاعتداء عليه كما استطاع استجماع قواه واستكمال تغطيته للأحداث. الاعتداءات على الصحفيين امتدت إلى أحد مصوري "القناة الثانية" الذي قام متظاهرون بتعنيفه نتيجة عدم حيادية القناة في نقل وقائع الحراك الاجتماعي بالريف على حد مزاعم بعض أولئك المتظاهرين. ولم يسلم أيضا ممثلو عديد من وسائل الإعلام الأجنبية حيث شوهد عدد كبير منهم وهو يصارع الاختناق بصعوبة بالغة.

أجدير آخر التجمعات، آخر المواجهات

بلدة أجدير على بعد سبع كيلومترات شرق مدينة الحسيمة، مسقط رأس الزعيم التاريخي للريف محمد بن عبد الكريم الخطابي، شهدت هي الأخرى تجمعات احتجاجية ومواجهات دامية بين محتجين وأفراد من القوات الأمنية التي حالت طيلة النهار دون بلوغهم الحسيمة. استمرت هذه المواجهات إلى غاية الساعات الأولى من يوم الجمعة حسب المعلومات الواردة من هناك.

الحصيلة

بعد ساعات من التشنج والاحتقان والمواجهات، عادت المدينة إلى الهدوء النسبي بعد ساعتين من منتصف ليلة الجمعة 21 يوليوز، والحصيلة متباينة بين الرسمي وغير الرسمي، وبين المؤكد وغير المؤكد. مئات الاختناقات والإغماءات، مئات من الإصابات المختلفة والمتنوعة حسب الأحجام والأعضاء المصابة، أزيد من 30 حالة اعتقال مؤكدّة في صفوف من تحدّوا قرار المنع سواء بالحسيمة أو بإيمزورن أو ببعض المناطق المجاورة، من بين المعتقلين أخ المعتقل نبيل أحمجيق، ومن بينهم أيضا الصحفي "حميد المهدوي" الذي اعتقل أثناء تواجده بالمدينة لتأدية مهامه المهنية وذلك بدعوى الصياح في مكان عمومي والتحريض على التظاهر والمشاركة في مسيرة غير مرخص لها. إصابة ما يربو عن 72 رجل أمن و11 متظاهر نتيجة المواجهات والاستعمال المفرط لقنابل الغاز المسيل للدموع. نقل ثلاثة مصابين إلى المستشفى العسكري بالرباط عبر مروحية عسكرية نتيجة إصاباتهم البليغة، من بين الثلاثة عنصران من القوات العمومية وناشط يدعى "عماد العتابي" يبلغ من العمر 25 سنة، أصيب خلال المواجهات إصابة خطيرة على مستوى رأسه، ما أدخله في غيبوبة استدعت إنعاشه عبر التنفس الاصطناعي ونقله إلى الرباط على وجه السرعة.


©️ Copyright Pulse Media. Tous droits réservés.
Reproduction et diffusions interdites (photocopies, intranet, web, messageries, newsletters, outils de veille) sans autorisation écrite