logo du site ledesk
بالعربية
مختارات لوديسك بالعربية

Connectez-vous

Mot de passe oublié ?

Abonnez-vous !

Découvrez l'offre de lancement du Desk

60 DH
1 mois
Découvrir les offres
25.04.2018 à 16 H 18 • Mis à jour le 25.04.2018 à 16 H 18
Par

مناطق زراعة الكيف: أزمة تشتعل في صمت

ثالوث الكيف .. ثنائية الثروة والتهميش


تعتبر المنطقة الواقعة بين فاس والحسيمة وتطوان ثالوثا تسود فيه زراعة الكيف، إذ تخترق مناطق عديدة بالخصوص من إقليمي شفشاون والحسيمة، وتمتد أحزمة زراعته على مساحة تقدر بأكثر من 34 ألف هكتار تنتج حسب الإحصائيات الرسمية ما يفوق 388 ألف طن من مادة الكيف يستخلص منها حوالي 700 طن من الحشيش حسب تقرير وزارة الخارجية الأمريكية الصادر في مارس 2017.


تقود الرحلة إلى هذه المناطق داخل طرق ملتوية ومتعرجة، تضم نقاطا سوداء عديدة بسبب حوادث السير التي شهدتها ولاتزال تشهدها، والناتجة أساسا عن وعورة مسالكها وارتفاعها، حيث ذاكرة السكان تتناقل قصص حوادث سير مروعة كما لازالت بعض هياكل السيارات أثرا بعد عين بعدما استحال اخراجها من المنحدرات التي هوت إليها، فصارت جزء من المشاهد المؤثثة للطريق إلى هذه المناطق.


أغلب الطرق الوطنية والجهوية داخل المنطقة شيدت عقب الاستقلال، خاصة طريق الوحدة التي لازالت لحد الان الطريق الوحيدة التي تربط كتامة بفاس، أما الطرق الأخرى خاصة الرابطة بين الدواوير والمراكز الأساسية فترجع للحقبة الاستعمارية، عدا بعض الاستثناءات القليلة في بعض المناطق.


بحسب ما يقول بعض سكان المنطقة فقد عرفت الآونة الأخيرة بعض المجهودات في سياق ما عرف بفك العزلة، لكنها وبحسب المصدر ذاته تظل غير كافية، إذ سرعان ما تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه خاصة خلال فصل الشتاء الذي تنقطع خلاله أغلب الطرق بسبب التساقطات الثلجية أو السيول المطرية، ناهيك عن الانقطاعات المسجلة في التيار الكهربائي.


بلاد الكيف .. بلاد المفارقات


تعرف مناطق زراعة الكيف تباينا كبيرا فيما بينها، إلا أنها تشترك في ضعف البنيات التحتية، فبرغم كل ما تدره على المغرب من عائدات وصلت بحسب التقرير الأمريكي الصادر في مارس 2017 إلى 23 مليار دولار، فيما يبلغ مجموع ما تستفيده هذه المناطق ملياري درهم (حوالي 250 مليون دولار) فقط، حسب تقرير لمكتب محاربة المخدرات والجريمة سنة 2003، أما مداخيل الفلاحين فتقدر ب20900 درهم للأسرة التي يبلغ متوسط أفرادها في هذه المناطق سبعة أفراد.


تكشف هذه الأرقام عن حجم المفارقة التي تعرفها هذه المناطق، وإن كانت كما استقيناه من مصادر محلية أخرى تظل غير دقيقة بسبب اختلاف بنيات المنطقة وطبيعة سكانها وخضوعها لمؤثرات أخرى، تحكمها طبيعة البذور المستعملة ومساحة الملكيات وموقعها، ما يجعل هذه المناطق تشهد تفاوتات كبيرة جدا خاصة في ظل تنوع حقول الكيف واختلافها، إذ يمكن أن تجد ملكيات كبيرة وأخرى صغيرة، فبرغم أنها تقدر في المتوسط بحوالي 1,6 هكتار للأسرة منها 1.3 هكتار بورية و 0,3 هكتار مسقية تستفيد منها حوالي المليون نسمة، إلا أنها تتباين بحسب المناطق، فاذا كانت المناطق التاريخية لزراعة الكيف المتمركزة في مناطق الريف الاوسط (كتامة، بني سداث، بني خالد) تتميز بوعورة تضاريسها وغزارة الامطار فيها مع عدم انتظامها، وبتربة فقيرة وحساسة ازاء التعرية، اضافة الى ملكياتها الفلاحية الصغيرة والمجزأة وتضاريسها الصعبة تضاريسه ومناخها البارد، إلا أن المناطق التي امتدت لها الزراعة منذ أواسط السبعينيات على النقيض من ذلك، تتميز بمساحات منبسطة، وبملكيات كبيرة أو متوسطة ما يسهل عليها اعتماد المعدات الحديثة في الزراعة خاصة مع توفر فرشة مائية مهمة لا تتوفر في المناطق التاريخية.


بذور جديدة تعلن موت الفلاح التقليدي


في هذا الصدد صرح لنا أحد الفلاحين الصغار بمنطقة كتامة بأن "كثيرا من الفلاحين لا يستطيعون سداد مصاريف الزراعة ويدخلون في دوامة من القروض ينتج عنها بيعهم للمحصول قبل أن ينبت أحيانا كثيرة، أما اذا كانت السنون عجافا فيزيد الوضع سوء" يردف ذات المصدر "الناس يتخيلوننا فاحشي الثراء لكن أغلبنا يضطر إلى اخراج ابنائه من الدراسة لمساعدته في الحقل، وإن كان هناك اخرون فعلا كما يتصورهم الباقي فاحشي الثراء ولديهم من الخدم والعمال من يقومون بكل أشغالهم حتى أنهم لا يتواجدون هنا ومع ذلك كل أعمالهم تسير بدقة متناهية .. أما نحن فاذا لم نستيقظ مع خيوط الصباح الأولى فقد لا نجد ما نأكله بقية السنة"


هذه الوضعية زادت سوء هذه السنة، إذ كان يفترض أن يبدأ الموسم الفلاحي في شهر مارس،إذ ينتظر الفلاحون توقف الامطار ليشرعوا في حرث الأرض ثم عملية الزراعة، لكن الاضطرابات الجوية التي عرفتها هذه السنة واستمرار تأخر الأمطار أثر سلبا على وضعية الفلاحين، وبحسب ما استقيناه فإن كثيرا منهم أعاد مرارا عملية حرث الأرض وهو ما يعني تكاليف مالية إضافية.


ينضاف كل هذا إلى ظهور بذور جديدة، تعرف ب"الكريكيتة"، بذور معدلة جينيا تتطلب إمكانيات كثيرة من أجل زراعتها، لكنها تتميز بمردودية عالية، وهو ما حال بين الكثيرين وبين زراعة أراضيهم، أحد الذين لم يتمكنوا من زراعة أراضيهم قال لي لوديسك : "لم استطع أن ازرع الكيف هذه السنة .. لقد ظهرت بذور جديدة يتجاوز ثمن البذرة الواحدة منها عشرة دراهم عدا ما تتطلبه من عناية وسقي ما يستلزم يدا عاملة خاصة ومؤهلة .. وهي التي يمكنك ايجادها بأجرة تبلغ في المتوسط 120 درهما/لليوم وقد تصل الى 200 درهما/لليوم، دون المأكل والمبيت، أي أن عملية الفلاحة أصبحت أكثر كلفة، فكيف لنا أن نقوم بها " يردف ذات المصدر بنبرة تعلوها الحسرة "لقد أفنيت سنوات عمري في زراعة الأرض بهذه النبتة التي ورثها عن أجدادي واليوم أجد نفسي عاجزا عن القيام بهذا الامر بسبب البذور الجديدة التي عوضت "البلدية" التي لازمتنا منذ عقود وربما قرون، ولم تكن تتطلب من الامكانيات الشيء الكثير" وبسؤالنا له عن مآل أرضه قال هذا الفلاح أنه سيقوم "كالكثير من الفلاحين بكراء أرضه لمن يستطيع  زراعتها".


عن هذا الوضع يعلق أحد الفاعلين الجمعويين قائلا أن "بعض مناطق زراعة الكيف تعرف تحولات عميقة أساسها "موت الفلاح" بالمفهوم التقليدي والغير ممتلك لإمكانيات مالية ضخمة ليتحول بذلك إلى مجرد مؤجر للأرض، فيما أصبح الممتلك لرأس المال يقوم بدور الفلاح أي بصيغة أخرى أصبح رجل أعمال .. وهذا بسبب زحف البذور الجديدة على كثير من المناطق ما ينذر بتحولات سوسيولوجية كبيرة ستشهدها المنطقة مستقبلا".


وبحسب ما استقيناه من مصادر محلية فمنذ بداية الألفية الجديدة بدأت بذور جديدة بالدخول إلى مناطق كانت "البلدية" تهيمن فيها لعقود، قبل أن تظهر أنواع أخرى كالباكستانية والأفغانية و"خردالة" وغيرها من البذور، وإذا كانت هذه البذور تخلف انتاجية أكثر ما يشكل مصدر دخل مهم بالنسبة للفلاح، إلا أن انعكساتها الايكولوجية أشد ضررا، فخردالة مثلا كما قال أحد الفلاحين تتطلب كميات كبيرة من المياه، الشيء الذي أدى إلى ازدياد الطلب على ابار السقي التي اصبح يتكلف بحفرها عمال مغاربة وبعضهم أجانب خاصة أكراد سوريا بحسب أحد الساكنة المحلية بالمنطقة، هذا الأمر أدى إلى استنزاف الفرش المائية بالمنطقة، خاصة مع قلة التساقطات المطرية وغياب خزانات لها أو سدود باستثناء بعض ما يشيده السكان المحليين من صهاريج كثيرا ما تعرف حوادث انهيار وقد يغرق فيها بعض الأطفال أو العجزة، لتشهد بذلك المنطقة في السنوات الاخيرة ما سمي بحروب المياه، التي كثيرا ما أزهقت بعض الأرواح، وتعرف محاكم الحسيمة وشفشاون وتطوان سنويا عددا من القضايا والملفات المرتبطة بالصراع حول منابع المياه.


أزمة اقتصادية خانقة


تبدو الأزمة اتي تتخبط فيها مناطق زراعة الكيف واضحة وجلية في الأسواق الأسبوعية، فباستطلاعنا لرأي بعض الباعة توقفنا على وجود اجماع على أن السنوات الأربعة الأخيرة عرفت أزمة اقتصادية خانقة زادت شيئا فشيئا، ومرد ذلك بحسب ما استقيناه من المزارعين إلى أن زراعة الكيف مصدر الدخل الوحيد لمعظم الساكنة، حيث لم تعد تعرف هذا المناطق أي أنشطة اقتصادية أخرى، ليتحول الكيف إلى محور الحياة وعصبها.


لكن ومع انخفاض الطلب الخارجي الناتج عن المراقبة الأمنية المشددة من جهة، واتجاه عدد من البلدان نحو تقنين استهلاك استهلاك الحشيش وزراعته، تضررت مداخيل المنطقة واتجهت أساسا إلى السوق الداخلية، وفي ظل امتداد المساحات المزروعة بهذه النبتة أصبح العرض يفوق الطلب، كما أن الحملات الأمنية الوطنية ضيقت الخناق أكثر على المنطقة التي لم تعرف أي تنمية موازية، فارتبطت حياة المزارعين عضويا بالكيف.


يضاف إلى هذا وتيرة النمو الديمغرافي المتسارعة، التي تعرفها المنطقة إذ تسجل بها أعلى النسب وطنيا، ومع تقدم العمر وتطورات الإرث تزيد مساحة الملكيات الفلاحية في التناقص، وتنقص مداخيل الفلاحين، وفي ظل غياب اقتصاد بديل أو مواز، وفي ظل غياب إرادة حقيقية لحل مشاكل المنطقة، باستثناء ما يثار بين الفينة والأخرى من طرف بعض الأحزاب حول التقنين والعفو عن المزارعين والتي تشتعل مع اقتراب كل استحقاقات انتخابية وتخبو بعدها، حتى كادت ان تتحول إلى فلكلور انتخابي يؤثث صور المنطقة، ويعكس أحد أوجه أزمتها.


صور منطقة تشتعل في صمت 


داخل مناطق زراعة الكيف آلاف الصور تنطبع بذاكرة الوطن بأكمله وتجعل الوضع قاتما يبعث على تشاؤم يزيد حدة، « نقاشات مجترة، أزمة اقتصادية، توظيف سياسي، قانون انتقامي، كارثة حقوقية، هشاشة اجتماعية واقتصادية، غياب إرادة سياسية حقيقية من الدولة لحل هذا الملف، تلاعب بمعاناة آلاف الأسر » كل هذه الصور والمؤشرات والمعطيات تتداخل لترسم ملامح صورة قاتمة،  تشكل إنذارا عن انفجار اجتماعي يشتعل في صمت وقد يدوي في أي لحظة، انفجار يعلم الكل أسبابه ولكن لا يستطيع أي أحد أن يعرف مداه أو حدوده في منطقة تغلي على صفيح ساخن ومتحرك، فهل تملك الدولة الجرأة للتدخل قبل فوات الأوان؟.



©️ Copyright Pulse Media. Tous droits réservés.
Reproduction et diffusions interdites (photocopies, intranet, web, messageries, newsletters, outils de veille) sans autorisation écrite