logo du site ledesk
بالعربية
مختارات لوديسك بالعربية

Connectez-vous

Mot de passe oublié ?

Abonnez-vous !

Découvrez l'offre de lancement du Desk

60 DH
1 mois
Découvrir les offres
19.10.2017 à 18 H 37 • Mis à jour le 19.10.2017 à 18 H 37 • Temps de lecture : 1 minutes
Par

وطن ظمآن

أعلنت صناعة الفخار عن تحول مهم في التاريخ البشري، إذ نقلته من مرحلة الاعتماد على الأدوات الحجرية إلى الاعتماد على الأدوات الطينية، ما جعله يحضر في الميثيولوجيات القديمة مرتبطا بعملية الخلق –إحالة على دوره- وهو تصور استلهمته الديانات الإبراهيمية لتجعل من الطين مادة أساسية في عملية الخلق، وتظل صناعة الفخار حاضرة في كل محطات التاريخ البشري دون أن تفلح كل الثورات الصناعية والتكنولوجية في زحزحته من موقعه، وكأن الإنسان بذلك يعيد سيرة سلفه الأول وهو يشكل الكون.

وهنا، في هذا الوطن الجريح حيث شاءت الأقدار أن يكتشفوا بقايا أقدم إنسان قرب أسفي -أحد مواطن صناعة الفخار-  تمركزت صناعة الفخار في مناطق عديدة، وورثتها أجيال أصرت أن تقاوم الزحف القادم عليها، وأن تبقى قلاعا لها، وإن تهاوت أخرى تحت وقع ضربات رأسالمال المسلح بالتكنولوجيا، كما حدث عندما تم السطو على أحد مواقع صناعة الفخار بفاس وتفويت موقعها لشركة شيدت مشروعا سياحيا وسلسلة محالات تجارية مؤشرة بذلك على زحف السوق الذي يلتهم كل شيء.


في خضم ذاك الهجوم ظلت نقاط عديدة تقاوم جبروت العولمة والزمن، وكانت زاكورة من بينهم، مصرة أن تعيد سيرة الإنسان الأول الذي مارس هذه الصناعة على ضفاف الرافدين، ليقيمها الزاكوري على ضفة وادي درعة أطول نهر في المغرب.


كان هذا قبل أن تتكاثر ضيعات احترفت زراعة البطيخ الأحمر "الدلاح" الذي بحسب بعض الدراسات فان كيلوغراما منه يتطلب 95 لترا من الماء، ما يعني أن بطيخة واحدة قد تكلف أكثر من طن من الماء، الأمر الذي استنزف الفرشة المائية للمنطقة، فبعدما كان الوصول إلى الماء يحتاج لحفر أقل من 8 أمتار في السبعينيات، أصبح الآن الوصول للماء يتطلب حفرا تتجاوز 300 مترا، ورغم ذلك استمر جشع الضيعات الفلاحية الكبرى التي لم تتوقف عن حفر الآبار والثقوب الجوفية، واستنزاف ما بقي من فرشة مائية، فكانت النتيجة ليس حرمان الصانع التقليدي من تكرار عملية الخلق التي استأنس ممارستها منذ أجيال بل أصبحت زاكورة عطشى، ولم يعد ساكنتها يجدون ما يروون به ظمأهم، وحتى ما تبقى من ماء ارتفعت نسبة ملوحته والمواد الضارة به ليتسبب في تأثيرات جانبية كبيرة لساكنة المنطقة، ويدخل الساكنة في دوامة ما بين العطش والطبيب –وما أدراك ما الطب العمومي في هذا الوطن- ولتسقط بذلك كل أساطير نجاعة السياسة المائية للدولة وبناء السدود وغيرها من أحاديث نشرات الأخبار ومحللي المنابر الرسمية.


وعوض أن تسارع الدولة إلى الاعتراف بالمشكل الذي سبق أن نبهت له فعاليات عديدة، وبدل أن تبحث عن حلول حقيقية للساكنة تروي ظمأهم، وتوقف جشع أصحاب الضيعات الفلاحية الذين زحفوا على الأخضر واليابس، والذين جاء كثير منهم في غفلة من الجميع وفوتت لهم أراض سلالية لزراعة البطيخ الأحمر، عوضا عن هذا سارعت الدولة إلى الانتصار –كما هو دأبها- للمقاربة الأمنية واعتقال أطفال –نعم أطفال- وشباب لم يفعلوا شيئا سوى أن خرجوا في مسيرات سلمية مطالبة بحقهم في الماء، معلنة بذلك انتصارها للمافيات الفلاحية ضدا على الأطفال والشباب حلم الغد ومستأسدة عليهم بعدما عجزت عن حل المشاكل التي تسببت فيها مقارباتها الكارثية.


لم ينتبه العقل الأمني الكامن وراء أوامر الاعتقال إلى الصورة التي ستصبح عليها الدولة وطنيا ودوليا وهي تعتقل أطفالا صغارا جريمتهم أنهم طالبوا بالماء (نعم بالماء فقط) وهو ما لم ترتكبه أعتى الديكتاتوريات التي مرت على تاريخ البشرية، وكأن هذا العقل الأمني يبحث عن ترسيخ منطق الاستثناء بأي شكل كان، ولو على حساب سجن أطفال بحثوا عن إرواء الظمأ فقط لا غير، أو على حساب كرامة الوطن، أو سلم اجتماعي هش.


إعمال المقاربة الأمنية وعدم الالتفات لأنات العطش يبدو أنه صار عنوان الدولة في هذه المرحلة، إذ بينما اعتقلت الدولة أطفال زاكورة الذين خرجوا للمطالبة بالماء المستنزف بسبب تدبير الدولة للأراضي السلالية وسياستها الفلاحية، وصمت أذانها عن آنات عطشهم، هو نفس ما فعلته مع معتقلي حراك الريف الذين دخلوا في إضراب مفتوح عن الطعام وبعضهم توقف عن شرب الماء أيضا، إذ أدارت وجهها وكأن الأمر يحدث في جزيرة تنتمي لدولة أخرى، لم تبالي لأجساد نخرها عطش للماء والحرية، بعدما آثر العقل الأمني ذاته –الذي يبدو أنه عاد لعافيته الممتزجة بالاستقواء الذي يقود للغرور- أن يلقي بهم في السجون بلائحة اتهام سريالية، وهم الذين لم يفعلوا شيئا سوى الخروج للمطالبة بمستشفى وجامعة بعد أزيد من ستين سنة على استقلال هذا الوطن، وبعد أكثر من تسعين سنة على جريمة الغازات السامة التي شهدتها المنطقة، والتي خلفت جراحا في الذاكرة الجماعية عوض أن تسارع السلطات إلى معالجتها ما فتئت تزيد في تعميقها أكثر فأكثر.


كان من الممكن أن نعتقد أن الأمر مجرد شرود أو لحظة انتفاخ أصيب بها عقل السلطة الأمني، بسبب التقهقر الذي تعرفه الحركة النضالية في العالم ككل، لكن عندما نتأمل الصورة نشعر وكأن للدولة مشكلة مع الماء، أو أنه يشكل مصدر ازعاج لها، أو كأن هناك عقلا يدفع في اتجاه أن تصبح البلاد كلها على شفير هاوية العطش، أو أنها ترسخ منطق العطش في كل شيء حتى في الكرامة.


لهذا تجدها وغير بعيد عن البؤرة المشتعلة في الريف، وبالضبط في مناطق زراعة الكيف، لا تتوان الدولة عن إطلاق –أو على الأقل اغماض أعينها- أيادي البارونات الكبار في المنطقة للسيطرة على منابع المياه، بعدما امتدت المساحات المزروعة بالكيف المجرم حسب ظهير سنة 1974  - هذا القانون الذي لا يوظف إلا كسوط على ظهور صغار الفلاحين أو من المشاغبين الذين لا ترضى عنهم السلطة، حتى وضعت المنطقة كلها في حالة سراح مؤقت وساد مناخ من الخوف يسقط كل شعارات دولة الحق والقانون- وظهرت بذور جديدة معدلة جينيا استنزفت بدورها الفرشة المائية وقضت على مفهوم الفلاح التقليدي –وهو ما يستلزم وقفة خاصة به- مات الفلاح في مناطق زراعة الكيف الذي أصبح أقرب للقن منه للفلاح، وساء الوضع الاقتصادي بشكل لم تشهده المنطقة من قبل، وجفت منابع المياه حتى أصبحت المنطقة تشهد ما يعرف بحروب الماء، واعتزلت السلطة الأمر فلا تتدخل إلا حين تحس بخطر عليها وعلى توازناتها بالمنطقة.


قبل أيام أعلن محمد السادس من داخل الغرفة التشريعية عن فشل المشروع التنموي للدولة، لكن وأمام ما يحدث في ربوع هذا الوطن، حيث يعتقل الأطفال لأنهم طالبوا بماء يروي ظمأهم، حيث يعتقل الشباب ويزج بهم في السجون بصكوك اتهام قد تجعلهم يفنون زهرة أعمارهم في السجون، لأنهم طالبوا بمستشفى وجامعة، حيث تنتصر الدولة لأصحاب الضيعات الكبرى، وتطلق يد البارونات في الأراضي والمنابع المائية ليعبثوا فيها كيفما شاؤوا، حيث تطلق يد المفسدين ليصروا على قتل كل شيء جميل في هذا الوطن، حيث تنزل الهراوات على حملة الشهادات العليا أمام قبة ينام داخلها بعض من لم يحصلوا على الشهادة الابتدائية، حيث يصبح البلد مزارا للبيدوفيلين ولطلاب المتعة الجنسية من بدو الصحراء او عجائز أوروبا، وحيث صمت الدولة آذانها عن آهات وانين العطشى للماء وللحرية وللكرامة، أمام هذا كله نتساءل بدورنا : هل فشل المشروع التنموي أم فشلت الدولة؟ أم أن هناك من يريد لهذا الوطن المتعطش للكرامة أن ينهار؟.

©️ Copyright Pulse Media. Tous droits réservés.
Reproduction et diffusions interdites (photocopies, intranet, web, messageries, newsletters, outils de veille) sans autorisation écrite