S'abonner
Se connecter
logo du site ledesk
بالعربية
مختارات لوديسك بالعربية
15.04.2026 à 11 H 04 • Mis à jour le 15.04.2026 à 11 H 04 • Temps de lecture : 25 minutes
Par
تراث

طريق القصور… ملتقى العوالم

Sur les toits du Ksar d’El Khorbat, un dédale de ruelles en lévitation. Crédit: Oussama Rhaleb / Le Desk من على أسطح قصر الخربات، تنفتح الرؤية على متاهة من الممرات. تصوير أسامة غالب / لوديسك
هو مسار أسطوري، سلكته القوافل قديما من تخوم الصحراء، يشق طريقه بين الجبال والوديان، المضايق والواحات، والصحاري الممتدة. أرض أصيلة فريدة، في قلب جهة درعة-تافيلالت، تحولت اليوم إلى نشيد للتأمل، وواحة للسكينة، وأبعد من ذلك، إلى نموذج لتنمية إيكولوجية مستدامة. غوص في أعماق المغرب ما قبل الصحراوي، حيث تتجلى الدهشة في أبهى صورها.

أرض كهفية بلون الطين، تُسكر الحواس بجاذبيتها، وتلوح فوقها ظلال النخيل في مرايا خضراء، تتماوج في أفق تعانقه جبال شاهقة الجبروت. الطريق الوطنية رقم 10، فسيفساء من مناظر كأنها على كوكب آخر، تسكنها أرواح ببساطة وإنسانية نادرة. من مدينة تنغير نحو الشرق، تسلك ممرا خارج الزمن، يعبر وديانا قاحلة وسلسلة من الواحات النضرة. وفي نهاية المسير، بعد عبور القرى والبلدات المتجذرة في الصدق، تستعيد الأرض وحشيتها الأولى، وتنهض بوابات الصحراء كأنها حدود بين عالمين، أو زمنين.


عند سفح كثبان مرزوكة المذهلة، تتلاشى طريق القصور، وتفتح الصحراء ذراعيها لعالم آخر : بحر من الرمل والحصى. أرض فاتنة بقدر ما هي عصية، تمنح الطريق الوطنية رقم 10، التي تمر عبر وادي الواحات، معنى الفردوس الأرضي. هذا المسار المعروف في أدلة السفر بـ"طريق الألف قصبة"، لا يقاس بعدد المعالم المعمارية الفريدة، بل بما ترمز إليه هذه الأرض من انسجام نادر، بين سكان يعتزون بأصولهم، وثقافتهم، وهويتهم، ويدركون بعمق ضرورة صون إرث لا شبيه له. بروح سخية، يدعوك أهلها لاكتشاف سحر موطنهم المحاط بسلاسل الأطلس. وهناك، تفهم أن هذه الأرض التي تجمع، هي بنت الصحراء، محمية بالجبل، ومباركة بالماء. إنها ملتقى العوالم، فسيفساء ثقافات، ومعجزة من الطبيعة.


Ombres et lumière jouant à cache-cache dans les ksour de Tinejdad. Crédit: Oussama Rhaleb / Le Deskظلال ونور يتلاعبان بخفة في زوايا قصور تنجداد. تصوير أسامة غالب / لوديسك


القصر… تراث نابض بالحياة

على سطح نُزُل في قصر الخربات، ببلدة تنجداد، يستيقظ الصباح على وقع ضربات منجل يدوي من حقل مجاور، يشغله فلاح بيده المألوفة. من بين الأشجار المثمرة، الكثيفة في هذه الواحة، تعلو أصوات الطيور في سيمفونية طبيعية تتقنها تلك الكائنات المجنحة. وليس غريبا أن تُعرف هذه الربوع، في واحة فركلة، بوادي الطيور. فهنا تعشش اليمامات، ويغرد الشحرور، وتحلق صقور الجراد، كما لو أنها في موطنها الأبدي. وقد يكون لاسم "تنجداد" نفس المعنى، كما يروي لنا دليلنا المحلي، رشيد بوسكري، أحد وجوه المنطقة، وفنان تشكيلي معروف شارك في معارض داخل المملكة وخارجها، ويقدم ورشا للرسم لزواره من عشاق الواحات. يقول : "في لغتنا الأمازيغية، تنجداد تعني مكان الطيور، بينما 'تينيجدا' تعني ما يخص الرحل. وكلا المعنيين يعبران عن روح هذه المدينة الصغيرة".


Des rues étroites pour une communauté soudée à l’intérieur des ksour présahariens. Crédit: Oussama Rhaleb / Le Deskأزقة ضيقة تنسج خيوط التماسك داخل مجتمعات مترابطة في قصور ما قبل الصحراء. تصوير أسامة غالب / لوديسك


يحثنا رشيد على الانطلاق في جولة القصور في تنجداد : "إنها كثيرة لدرجة أن يوما كاملا لا يكفي لاكتشافها"، يقول بابتسامة العارف. وقبل أن نخوض في أسرار هذه المنشآت الفريدة، يُنبهنا إلى الفرق بين القصر والقصبة. فالقصر، كما يشرح، هو "قرية محصنة، مبنية من الطين والتربة المدكوكة، تسكنها عائلات متعددة تخضع لقوانين جماعية متوارثة، وسكانها في الغالب من الطبقات البسيطة. أما في اللغة العربية الفصحى، فكلمة قصر توحي بالقلاع أو القصور، وهذا غير دقيق". في المقابل، القصبة "هي مركز سلطة، يسكنها القائد أو الباشا، ومعه أسرته وخدمه، وتختلف مساحتها حسب مكانة صاحبها". لذا، فإن قصور المنطقة أكثر بكثير من قصباتها، رغم ما تروجه الكتيبات السياحية من اختزال لا يُنصف الحقيقة.


Un ksar est d’abord un quartier, encore aujourd’hui peuplé de locaux attachés à leur tradition. Crédit: Oussama Rhaleb / Le Deskالقصبة ليست سوى حي، ما زال مأهولا بأهل أوفياء لتقاليدهم. تصوير أسامة غالب / لوديسك


نبدأ الزيارة من قصر الخربات، أحد أقدم القصور في تنجداد، وربما أكثرها ترميما واهتماما. ويحتضن هذا القصر متحفا فريدا، هو متحف الواحة، أسسه أحمد بن عمار، ابن المنطقة العائد من الغربة ليخدم أرض أجداده، ويُسهم في تنميتها عبر نموذج من السياحة البيئية يحترم التقاليد ويحفظ الموروث.


L’entrée du Musée de l’Oasis, un circuit au cœur du ksar d’El Khorbat. Crédit: Oussama Rhaleb / Le Deskمدخل متحف الواحة، بوابة إلى قلب قصر الخربات. تصوير أسامة غالب / لوديسك


في مدخل أحد الأزقة المظللة لقصر الخربات، تفتح بوابة صغيرة على ساحة داخلية، تنساب منها دروب ملتوية، تنقلك بين مستويات متعددة، في انسجام تام مع الطابع المعماري للقصر. في القاعة الأولى، التي تُضيئها العتمة الساكنة للجدران السميكة المبنية بالتراب، تكتشف الخرائط والجداول التي تشرح موقع الواحة وخصائصها الجغرافية. وهناك نفهم أن الواحات الصحراوية تتشكل في "قيعان الأودية"، على طول ممر الطريق الوطنية رقم 10، حيث تنساب المياه من الجبال المجاورة لتسقي السهول الضيقة، إما عبر الأنهار الموسمية، أو عبر نظام "الخطارات". تلك القنوات الجوفية العبقرية، التي استخدمها المغاربة منذ قرون، ولا تزال شريان الحياة في هذه الربوع. ثم يقودنا المسار المتحفي المتقن إلى فضاء مخصص للتجارة، ذلك النشاط الحيوي الذي بُني عليه مجد المنطقة، التي شكلت عبر العصور معبرا حيويا بين صحراء الجنوب ومدينة سجلماسة، القطب التجاري الشهير في التاريخ المغربي القديم.


قنوات الساقية تحاذي أسوار القصور في وديان الواحات، حيث تغسل النساء ثيابهن تحت ظلال النخيل. تصوير أسامة غالب / لوديسك


ثقافة ضاربة في القدم

لكن واحات درعة لم تكن مجرد معبر في أعظم مسارات التجارة في تاريخ المغرب. فهذه الأرض، على الرغم من مناخها الجاف بطبيعته، تنبض بالخصوبة بفضل المياه والثلوج القادمة من جبال الأطلس المجاورة. وبالإضافة إلى إنتاج التمور، هذا الثمر المبارك الذي تمثل به هذه الربوع واحدة من أوسع واحات النخيل في العالم، تنتج واحة فركلة ثمارا وخضروات متنوعة، تعد من بين الأجود في المملكة. صحيح أن التجارة هي النشاط المحوري في هذه المنطقة، لكنها لا تمارس دائما بالشكل المألوف. فـمتحف الواحة يسلط الضوء على فئة من السكان اختفت من أماكن أخرى منذ قرون : الرحل، الذين لا يزال بالإمكان مشاهدتهم في السهوب المجاورة، حيث يسرحون قطعانهم في هذا الفصل الأخضر من السنة. يشرح لنا دليلنا، العارف بهم، أنهم في معظمهم أصبحوا اليوم نصف رحل، أي أنهم يقضون أشهر الصيف في الجبال، حيث العشب أغزر والجو ألطف، ثم ينزلون إلى الواحات والمدن خلال الفصول الأخرى، ويمتهنون الرعي بالدرجة الأولى. أما عن تجارتهم، فيقول : "لا يزال نظام المقايضة منتشرا بينهم وبين السكان المستقرين". وإن قل عددهم في العقود الأخيرة، فإن الرحل، وعلى رأسهم قبيلة آيت عطا القوية، لعبوا دورا جوهريا في الماضي، في توازنات السلطة والمجتمع ضمن وديان الواحات.


بعد قسم التجارة، حيث تُعرض أدوات ومقتنيات تعكس عراقة هذا النشاط الحيوي، ننتقل إلى جناح آخر يحتفي بـالصناعات التقليدية، تلك التي تشكل حجر الأساس في الثقافة الصحراوية العريقة. تعرض في القاعات المعتمدة لوحات تعريفية مكتوبة بعناية، باللغات : العربية، والتيفيناغ، والفرنسية، والإنجليزية، وقريبا بالصينية أيضا. يقول رشيد مازحا : "لقد بدأنا نستقبل الكثير من الزوار الصينيين، وبدأت أتعلم مبادئ لغتهم لأرحب بهم كما يجب".


معروضات من الحياة اليومية لواحات ما قبل الصحراء داخل متحف الخربات، وعلى اليسار نول تقليدي لنسج الأقمشة. تصوير أسامة غالب / لوديسك


وهكذا، يتمكن الزوار من شتى الآفاق من التعرف على جودة الصناعة المحلية، وعلى رأسها الزرابي الأمازيغية، التي أذهلت أذواق العالم بجمالها ورموزها. فهذه المنسوجات ليست مجرد زينة، بل نصوص صامتة، مشفرة بأنامل النساء، ما زال الباحثون في الإنسان يحاولون فك رموزها عبر الزمن.


أزياء زفاف تقليدية لأفراد من الطائفة اليهودية في واد درعة. تصوير أسامة غالب / لوديسك


وفي الجناح ذاته، يُعرض لباس الاحتفالات التقليدي، الزاهي بالألوان، الذي ترتديه النساء في المناسبات الكبرى، منذ قرون. ومن بين الأزياء المعروضة، ما يخص الجالية اليهودية، التي كانت حاضرة بقوة في وديان الجنوب الشرقي إلى حدود منتصف القرن العشرين. ولا يخفي دليلنا فخره بهذا الإرث المتنوع : "تلك إحدى أغلى ثرواتنا. منطقتنا فسيفساء ثقافية، تتلاقى فيها المكونات الأمازيغية والعربية والإفريقية واليهودية في نسيج مشترك، داخل القصور نفسها، حيث تقاسمت الجماعات مصيرا واحدا".


أرض المياه

يعد قصر الخربات نموذجا فريدا لهذا النمط المعماري الواحي، لكنه ليس الوحيد في تنجداد. تستمر زيارتنا خارج أسوار هذا القصر المحصن، لنتوغل في أعماق البساتين الوارفة، حيث تلوح برودة تكاد تكون خارقة للطبيعة، في قلب الواحة المغمورة بالسكينة. يُقترح علينا خوض هذه الرحلة سيرا على الأقدام، أو على دراجة جبلية، أو حتى على ظهر حمار، كما يحب دليلنا رشيد أن يفعل أحيانا مع الزوار. رجل متعدد المواهب، ينشط ورشات الفخار والطبخ، ولا يُفوت فرصة ليأخذنا خارج ظل النخيل، نحو ما يسميه "معجزة من معجزات الطبيعة". على تخوم الـ"جنان"، يبدأ وهج الشمس في بسط سطوته من جديد، رغم اعتدال الفصل. 


فسحة فسيحة في قلب قصر الخربات، تحافظ على روح الجماعة واللقاء. تصوير أسامة غالب / لوديسك


وبعد مسافة قصيرة، نقترب من ربوة ترابية شامخة، وُضع لها درج بدائي للصعود. لا يكشف رشيد عن سرها إلا حين نبلغ منتصف الطريق : "نسمي هذا المكان 'العوينة العجيبة'، لأن الماء ينبع من أعلاها، ولا نفهم كيف يحدث ذلك". وهكذا، في تحد واضح لقوانين الجاذبية، تتفجر بركة صغيرة متموجة من قمة الهضبة، كأنها تنبع من صميم قلب الأرض. "لم يأت أي جيولوجي أو خبير مائي لتفسير هذا السر الذي يعتبره الناس هنا معجزة"، يضيف رشيد. وربما يكمن تفسيرها في ضغط المياه وتوازنها الهيدروستاتيكي، لكن اسمها الحقيقي هو "عين تاسبلبات"، وهي تضفي مزيدا من السحر على هذا المكان الذي يبدو مأخوذا من الأساطير. ومع ذلك، فهي ليست مجرد متعة بصرية، بل تجسيد لنظرة القداسة التي يكنها أهل الواحات للماء. هذه المادة التي ناضلوا عبر التاريخ لتأمينها، وشيدوا لأجلها نظام "الخطارات"، ذاك التراث الخفي والمذهل الذي لا يظهر منه سوى أكوام من التراب متناثرة كجحور الخلد، تخفي أسفلها شبكة من القنوات الدقيقة، وتحتاج إلى صيانة دورية لحمايتها من الانهيار أو الجفاف. وعلى الطريق الوطنية رقم 10، المتجهة شرقا، تصادفك أكواخ صغيرة على جانب الطريق، يقيم فيها مرشدون متخصصون في تعريف الزوار بهذا الموروث المنسي، والذي يُعد شريان الحياة في هذا المجال الصحراوي.


Oasis dans le Sud marocain.المنطقة تحتضن واحدة من أكبر واحات النخيل في العالم. تصوير أسامة غالب / لوديسك


ولا تنتهي أسطورة الماء هنا. فغرب مدينة تنجداد، يقع متحف لالة ميمونة، المبني فوق منابع تحمل الاسم نفسه، حيث يفور الماء من قلب الأرض، محاطا بسور طيني تقليدي وبحوض صاف يعكس زرقة السماء. هنا أيضا، يروي المكان قصة من قصص الماء، ممزوجة بروح محلية أصيلة. نعود إلى قلب المدينة، حيث تنتشر القصور على جانبي الطريق الرئيسية، كأنها تحرس الواحة من الزوال. يعرف رشيد كل قصر فيها، ويحدثك عنه كما يحدثك العارف بتاريخ عائلته. يخبرنا أن معظم هذه القصور ما زالت مأهولة جزئيا، بحسب درجة تآكلها، لكن إدارة الشأن العام داخلها لا تزال تعتمد على نظام جماعي قديم أثبت نجاعته. ومن بين ركائز هذا التعايش، نجد الزوايا، التي ما زالت تلعب أدوارا روحية واجتماعية في الحياة اليومية. وأهمها في تنجداد، تقع وسط بستان أخضر، وتحمل اسم الشيخ سيدي العربي بن عبد الله الهواري، أحد أعلام الجنوب الشرقي، والذي تعود إشاراته إلى القرن الثامن عشر. مبنى الزاوية شامخ في صمته، وكأنه نُحت من الزمن نفسه، تفتح أبوابه لكل زائر، ويستقبلك بحفاوة مولاي عمر رزقي، القائم على المكان. داخل قاعة واسعة تحولت إلى متحف، يشرح لك هذا الحارس الأمين أن الزاوية كانت ولا تزال تضطلع بدور الوساطة بين القبائل، وتأمين سلامة القوافل العابرة منذ قرون. ويضيف بفخر : "احتفظنا بمراسلات تعود إلى عهد السلطان مولاي إسماعيل (1672–1727)، وتوثق علاقتنا بالبلاط المغربي حتى اليوم".


تاريخ شعب

يواصل مولاي عمر رزقي عرضه عن الزاوية، مدعما بصور تاريخية، ليذكر بأن الطريقة الصوفية لم تكن فقط محرابا للعبادة، بل أيضا حصنا للمقاومة في وجه الاستعمار، إذ "شاركت بنشاط في أعمال المقاومة خلال السنوات الأولى من الحماية"، كما يقول بفخر. فالمنطقة الواحية، لم تكن يوما هامشا بعيدا، بل شكلت معقلا صلبا من معاقل الكفاح المسلح، الذي استمر فيها أطول من غيرها من جهات المغرب. ومن بين أبرز محطاته، معركة جبل صغرو، ذلك الحصن الطبيعي الشامخ على ارتفاع 2700 متر، المنحوت من الصخر، والممتد جنوب تنغير بنحو خمسين كيلومترا. في مطلع عام 1933، خاضت القبائل الأمازيغية الحرة، بقيادة عسو أوبسلام، الذي اختير "أمغارا" (زعيما) لاتحاد قبائل آيت عطا، آخر وأشرس المعارك ضد القوات الاستعمارية الفرنسية. وفي مواجهة جيش قوامه ثمانون ألف جندي، صمد الفرسان المغاربة لشهور طوال، إلى أن لجأ المستعمر إلى قصف مدفعي مكثف، بعد فشل طلائع الخيالة والمجندين المحليين. دام الحصار بشراسة حتى الخامس والعشرين من مارس 1933، في ما يعتبر آخر فصول ما سمي بـ"الهدنة"، لكن ذاكرة الجبل لم تهدأ، وظلت تروي بأسى بطولات لم تُروَ بعد.


زقاق نصف مغطى في القصبة القديمة لقصر كلميمة. تصوير أسامة غالب / لوديسك


في هذه الذاكرة الجماعية، تقف زاوية سيدي العربي بن عبد الله الهواري شاهدة ومؤتمنة. ليست فقط منبرا روحيا، بل أيضا رابطا حيا بين أجيال توارثت قيم العيش الجماعي والكرامة، كما هو حال القصور المنتشرة في تنجداد وما بعدها. تمتد هذه الطريق نفسها، على طول الطريق الوطنية رقم 10، شمالا نحو مدينة كلميمة، التي تُعرف أيضا باسمها الأمازيغي "إيكلميمن"، أي "البحيرات". وعلى بُعد عشرين كيلومترا فقط من تنجداد، تستقبلك هذه المدينة الواحية بإرث معماري وروحي لا يقل ثراء. بها ما يزيد عن مئة ألف نخلة، تنبثق من بين عروقها قرى محصنة (قصور) لا تزال مأهولة. من أبرزها وأقدمها، قصر القديم، وهو محطة لا غنى عنها لكل من يرغب في لمس العمق المادي والرمزي للعمارة الواحية.


مربع من السماء الزرقاء يطل من عمق زقاق ضيق في قصر كلميمة. تصوير أسامة غالب / لوديسك


في نهاية أحد الشوارع الرئيسية لمدينة يبلغ عدد سكانها حوالي 15 ألف نسمة حسب آخر إحصاء، تنفتح ساحة ترابية رحبة، تحولت إلى ملعب مفتوح للأطفال ولاعبي كرة القدم الهواة. قبالتها، تقف قلعة ترابية بلون الأرض، كأنها تتحدى البنايات الخرسانية الرمادية، وتنبض بالحياة رغم صمتها. هذا القصر ليس مجرد بقايا أثرية محفوظة للسياح أو سينوغرافيا لأفلام -رغم قربه من استوديوهات ورزازات الشهيرة - بل حي سكني فعلي يقطنه أكثر من أربعمئة شخص.

 

أطفال يلعبون بين الأزقة الترابية لقصبتهم، كلميمة. تصوير أسامة غالب / لوديسك


وبينما نمعن النظر في برجي المراقبة التوأمين اللذين يحميان بوابة القصر، يُقبل نحونا رجل في الأربعين من عمره، بشرته مسفوعة بشمس الجنوب، ويسأل بأدب إن كنا نحتاج إلى دليل. إنه يوسف ميدوان، أحد سكان القصر، يرافقنا بابتسامة دافئة قائلا : "كنت أستطيع أن أعيش في بيت صغير داخل الجنان، لكنني متعلق بحيي وجيراني وحياة الجماعة. هنا لا نحتاج جميعا إلى راتب، لأننا نتقاسم كل شيء تقريبا". يشير يوسف إلى الساحة الفسيحة أمام القصر، قائلا إنها ليست فضاء مهجورا كما تبدو، بل "البيدر"، وهو فضاء تقليدي يُستخدم لذبح الأضاحي، ولتجفيف التمور والفول في مواسم الجني. برفقة هذا الدليل الأصيل، نشرع في اكتشاف واحد من أعرق نماذج السكن الصحراوي، الذي لا يزال ينبض بالحياة، كأنه متحف مفتوح تحت السماء. وبمجرد عبور البوابة الرئيسة، نلج ساحة واسعة، تتوسطها مساحة مشتركة، تحيط بها منازل الطين. إحدى الأبراج تحولت إلى مئذنة مرتجلة، تعلوها مكبرة صوت بين شرفتين مسننتين، تشبهان فما خال من الأسنان. مشهد يختزل في صمته حياة جماعية ترفض الانقراض.


يوسف ميدوان، أحد سكان قصر كلميمة وحارسه الأمين. تصوير أسامة غالب / لوديسك


مصير مشترك

بينما يلهو الأطفال بكرة صغيرة من صنع أيديهم، يشير إلينا يوسف نحو ركن معزول داخل الساحة : "هنا حظيرة الثور المخصِّب للدوار، نذبحه كل عام في عيد المولد النبوي، وتتقاسم كل عائلة نصيبها من اللحم". أما باقي ساحة المدخل، الملتصقة بالمسجد -الذي يُبنى غالبا على أطراف القصور- فمخصصة للتجارة، "وخاصة مع الرحل، الذين يأتون لمبادلة ملحهم، وجزرهم، ولفتهم مقابل تمر، وفخار، وقمح، وزيت زيتون، وغيرها من منتجات الواحة. نحن معتادون على تعديل كميات المقايضة وفقًا لأسعار السوق". اقتصاد يبدو بدائيا في أماكن أخرى، لكنه يناسب تماما واقع هذا الفضاء المحفوظ من جنون الاستهلاك وسطوة المال. بوابة ثانية، أقل علوا من المدخل الرئيسي، تتيح الوصول إلى أول زقاق في القرية المحصنة.


القصر القديم في كلميمة لا يزال يحتضن قرابة 400 ساكن. تصوير أسامة غالب / لوديسك


ممر يبدو وكأنه صُمم ليلعب مع أشعة الشمس الساطعة، يتحول تارة إلى بئر من النور المبهر، وتارة أخرى إلى ظل ساحر في تدرج لوني يأسر العين. لكن أزقة هذا القصر الممتد على ثلاثة هكتارات ليست جميعها مكشوفة للسماء. بعضها مغطى بأسقف تدعمها عوارض خشبية عريضة. بين الأزقة المسقوفة وتلك المكشوفة، يلاحظ فارق واضح في درجات الحرارة، مما يُثبت فعالية تصميم معماري "يحافظ على البرودة في قلب الصيف"، ويضمن عزلا حراريا عندما تدفأ المنازل في شتاء قاس في كثير من الأحيان. يوسف، دليلنا الذي لا ينضب حديثه، ضروري لفهم تقسيمات الحي : هنا كانت تقيم الجماعة اليهودية، وهناك تمركزت الحرف، كما هو الحال في المدائن العتيقة للمدن الإمبراطورية المغربية.


كرم أهل وادي درعة ليس أسطورة، يوسف وزوجته يدعوانك إلى كوب شاي بنكهة الضيافة. تصوير أسامة غالب / لوديسك


بني القصر على شكل مربع ترابي ضخم من الطين والتبن، وله مداخل من الجهات الأربع. "جميع أبواب هذا القصر الحصين تُغلق عند العاشرة ليلا، لكن بعض السكان يتأخرون لسقي الجنائن، فيتوجب عليهم قول كلمة سر ليفتح لهم الحراس"، يخبرنا يوسف. في وضح النهار، تبدو أطراف الجدران أكثر حيوية من داخل القصر. وعندما مررنا بجوار أحد السواقي التي تروي الواحة، كانت نسوة يغسلن الثياب، فيما كانت الماشية ترعى العشب الغزير في هذا الفصل من السنة. قبل أن نودعه، أصر يوسف على أن يدعونا لتناول الشاي، فرصة نادرة لاكتشاف البيت الأصيل داخل القصر، وفهم نمط عيش ساكنيه عن قرب. بعد أن فتح لنا الباب الخشبي بمنتهى البساطة، أرانا غرضا خشبيا عجيبا، يشبه الملعقة الكبيرة، وعلى طرفه مسامير صغيرة : "هذه مفتاح بيتي، نفسه يُستخدم منذ أجيال. كل ما عليك هو إدخال أطراف الحديد في ثقوب القفل المخصصة لذلك".


جرار فخارية ضخمة يستخدمها يوسف لتخزين مؤونته. تصوير أسامة غالب / لوديسك


في المدخل، تصطف عشرات الجرار الطينية، تُخزن فيها التمور -"وهي بالنسبة إلينا المورد الغذائي الأهم، بما توفره من قيمة غذائية عالية، ولقوتها على كبح الجوع"- والسمن، وزيت الزيتون، وأعشاب عطرية وطبية. وفي عمق المنزل، باب آخر يفتح على فناء صغير، يُستخدم كحظيرة لبعض الماعز التي يربيها يوسف. ما إن دخلنا حتى هاجت فرحا بقدومه، وهو يداعبها بمودة ويقول : "لكل منها اسم، ولكل واحدة طبعها الخاص". سلم ضيق يقود إلى الطابق العلوي، حيث تقع الغرفة الرئيسية لمنزله. عشرات الزرابي تملأ الأرض وتزين الجدران كأنها لوحات فنية، تمنح للبيت دفئا فريدا. جو من البهجة يزيده بهاء ضحكات الأطفال، وهم يركضون نحو أمهم المنشغلة في المطبخ المجاور.


بعد طقوس الشاي، قادنا يوسف إلى السطح عبر درج لولبي ضيق. من هناك، تكشفت لنا صورة القصر في بهائها الكامل، بعمارتها التراثية التي يحرص أهلها، كيوسف، الناشط الجمعوي في منطقته، على صونها : "ندرك تماما قيمة هذا المكان، ونعمل على مرافقة تنميته بشكل مستدام. لا نستعمل المبيدات الكيميائية في بساتيننا أو نخيلنا، ونكتفي بالأسمدة العضوية".  وأثناء مرافقتنا إلى الخارج، ذكرنا يوسف بأن الحياة داخل القصر ليست مجرد اختيار فردي، بل التزام جماعي : "نحن نعيش مصيرا واحدا". أما نحن، فواصلنا رحلتنا نحو الغرب، إلى جهة تجسد جزءا من الهوية المغربية.


من سطح بيت يوسف، يُطل القصر الواسع لكلميمة، تتوسطه برجان للمراقبة. تصوير أسامة غالب / لوديسك


مرحبا بكم في تافيلالت، مهد الدولة العلوية، الأقدم في العالم إلى جانب إمبراطورية اليابان. اقترانها بجهة درعة منذ التقسيم الجهوي الجديد لسنة 2015 لم يكن من قبيل المصادفة. تتوالى الواحات الشبه الصحراوية، وتتوالى معها القصور، لا تزال تتغذى من مياه "الخطارات" العتيقة، فيما تتراجع الجبال شيئا فشيئا، كاشفة عن الأفق المفتوح. كلما اقتربنا من أرفود، صارت الأرض أكثر صلابة، والغبار أكثر كثافة، وتعلن الصحراء عن اقترابها في صمت. تبدو المدينة كآخر حصن أمام اتساع السهوب الغربية القاحلة. أرفود مجهزة جيدا من حيث البنية الفندقية والمطاعم، التي تقترح طبقا شهيرا في هذه الجهة : "المدفونة". اسمها مشتق من طريقة الطهو، حيث تحشى العجينة بلحم مفروم وبصل وتوابل، ثم تدفن وتطهى تحت الرمل. طبق يلقبه السكان أيضا بـ"الريصاني"، نسبة إلى عاصمة تافيلالت، ومحطة لا غنى عنها في درب القصور.


آثار من ماض سحيق

الطريق السريع الذي يربط أرفود بالريصاني لن يمنعك من التمهل، حين يلوح لك على جانب الطريق هيكل عظمي ضخم لدبلودوكوس، يكاد يلامس السماء. مدفوعا بالدهشة، تتوقف لتفهم ما وراء هذا المشهد الغريب. موقف سيارات واسع، ساحة ألعاب للأطفال، وواجهة تحمل عبارة : "متحف الطاهري للحفريات والمعادن". فهذه المنطقة، إلى جانب جاذبيتها لعشاق مغامرات الصحراء، تأسر أيضا قلوب المهتمين بالأحجار القديمة جدا، وآثار عالم آخر اندثر منذ ملايين السنين.


إعادة تشكيل لهكيل ديناصور على جانب الطريق بين أرفود والريصاني. تصوير أسامة غالب / لوديسك


في قلب تافيلالت، يقف عز الدين خياوي، شاب شغوف بذكريات الزمن البعيد، حارسا لمغارة علي بابا من نوع آخر. يقول : "يأتينا هواة الجمع من أنحاء العالم لاقتناء المستحثات، ومعظمها مستخرج من الأرض الممتدة بين الرشيدية وصحراء مرزوكة". في أروقة طويلة كأنها أسواق للمعادن والعظام والأحجار ذات الألوان الأخاذة، تصطف المعروضات مصنفة بحسب أعمارها، شاهدة على عصور ما قبل الإنسان، حين كان العالم مختلفا تماما.


Musée des fossiles et des minéraux, près d’Erfoud (photo d'illustration).متحف الأحافير والمعادن بالقرب من مدينة أرفود. تصوير أسامة غالب / لوديسك


ومن بين هذه الكنوز، تتلألأ الأمونيتات، المستخرجة من تخوم الصحراء، لتدلنا على أن هذه الأرض القاحلة كانت، قبل ملايين السنين، جزءا من بحر عظيم. أما لمن لا عهد لهم بعلم الجيولوجيا، فتبقى هياكل الديناصورات الأكثر إثارة، إذ يبدو أن المغرب، وتافيلالت على وجه الخصوص، كانا موطنا مفضلا لهذه الكائنات الجبارة.


قبل ملايين السنين، جابت نمور ذات أنياب منحنية هذه الأرض المغربية. تصوير أسامة غالب / لوديسك


وفي نهاية هذه الرحلة نحو العصور الغابرة، تستقبلنا قاعة البيع، حيث تعرض القطع مرفقة ببطاقات أسعارها. لكن، كيف نثق في أصالتها؟ يطمئننا عز الدين : "كل المعروضات موثقة المصدر ومصدق عليها من قِبل وزارة الثقافة، ونحن ملزمون بالإشارة ما إذا كانت أصلية أو مرممة أو مجرد نسخ طبق الأصل".


مدخل موقع سجلماسة، مغلق مؤقتا بسبب أشغال الحفريات الأثرية الجارية. تصوير أسامة غالب / لوديسك


ومن متحف الزمن، نعود إلى حاضرنا، لنتابع الرحلة نحو العاصمة الجهوية، حيث تستقبلنا بوابة إمبراطورية شاهقة، تمهد للدخول إلى معقل العلويين. هنا، في الريصاني، تتجلى الهوية العمرانية والروح المعمارية لمدن القصور. لكن قبل التوغل في أحيائها، لا بد من وقفة احترام، زيارة لضريح أحد كبار رجال التاريخ المغربي. لا حاجة للسؤال عن الطريق، فكل دوار يُرشدنا بلوحة إلى ضريح مولاي علي الشريف. موقف واسع، حافلات صغيرة، وبوابة مزخرفة بالزليج الفاخر، كلها دلائل على قدسية المكان.


ضريح مولاي علي الشريف، المعلم الأكثر زيارة في مدينة الريصاني. تصوير أسامة غالب / لوديسك


يعد مولاي علي الشريف، أول رموز الأشراف العلويين في سجلماسة القديمة، الرجل الذي بزغ نجمه في عشرينيات القرن السابع عشر، في وقت كانت فيه الدولة السعدية في أفول، والتجاذبات السياسية تشتد. في تافيلالت، خاض العلويون صراعا مريرا مع أتباع زاوية الدلاء، انتهى لصالح رجل ذائع الصيت في الورع والحنكة. من نسل النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب، بايعته القبائل أميرا عام 1631. وبعد وفاته بتسع سنوات، تولى ابنه مولاي رشيد نشر نفوذ الدولة الجديدة من الجنوب إلى فاس. أما أخوه مولاي إسماعيل، فقد ثبت أركان الملك، وأسس دولة لا تزال قائمة بعد أربعة قرون.


البوابة البديعة لضريح مولاي علي الشريف، والد السلالة العلوية. تصوير أسامة غالب / لوديسك


الضريح ليس مجرد مقام، بل مجمع ديني من الأرفع شأنا في المملكة. يطل مئذنه الرشيقة فوق الأسوار، وتفتح البوابة المزينة أبوابها على حديقة أندلسية، تتوسطها نافورة تحيط بها النخيل. الأقواس الموريسكية، المزينة بالزليج الأخضر، تحرس المكان بهيبة.


فناء أنيق تحيط به الحدائق داخل ضريح مولاي علي الشريف، مدخل الغرفة الجنائزية للشريف العلوي. لوديسك


في آخر الممر، باب آخر، أكثر بهاء، يفضي إلى غرفة الضريح، حيث يرقد الرجل الزاهد. صممت الغرفة بأيدي أمهر الصناع التقليديين بأمر من الملك الحسن الثاني خلال ترميم سنة 1997، لتكون مزارًا شامخا للذكرى والتقديس.


ممر داخل ضريح مولاي علي الشريف، أنجزه أمهر الصناع التقليديين في المملكة خلال أعمال الترميم سنة 1997. لوديسك


منذ أن شيد السلطان محمد بن عبد الله هذا المقام في القرن الثامن عشر، ظل الضريح مقصدا للزوار وطلب الشفاء، وقلبا نابضا للريصاني، المدينة التي نبتت من أنقاض أختها الكبرى، سجلماسة، الغارقة تحت الرمال.


باب المنصورية، هل هو من بقايا سجلماسة أم بوابة لقصر مجاور؟ تصوير أسامة غالب / لوديسك


على بعد خطوات من الأحياء الشرقية، تقودنا لوحة حجرية نحو "الموقع الأثري لسجلماسة". وعند اقترابنا من أرض الحاضرة الغابرة، يوقفنا رجال القوات المساعدة : "الموقع مغلق مؤقتا، أعمال التنقيب جارية". باتصال سريع مع مدير المعهد الوطني لعلوم الآثار، عبد الجليل بوزوكار، يؤكد : "لا يزال أمامنا الكثير لنكتشفه، فهذا من أهم المواقع الأثرية في المغرب. مشروع ضخم يُحضَّر بالتنسيق مع الجهات المختصة، لنُبرز هذه المدينة كمتحف حي لذاكرة العصور الوسطى". وفي انتظار افتتاح هذا المتحف، نتجه إلى وجهة أخرى من سجلماسة، حيث أكثر معالمها شهرة في الجهة الشمالية.



سجلماسة، الكنز المدفون

هناك، حيث ما تزال قائمة إحدى أبواب المدينة العتيقة، تُسمى باب المنصورية، وقد باتت رمزا لسجلماسة، حتى تجلت على طابع بريدي صادر عن بريد المغرب، كأحد أركان التراث الوطني الثمين. هذا الأثر، الذي ما زال يحظى بنقاش الخبراء، يراه بعضهم بوابة لقصبة قديمة تحمل الاسم ذاته، كانت مأهولة في زمن ازدهار سجلماسة. فكيف لتلك المدينة، التي كانت مرجعا في الخرائط الوسيطية، ووصفتها أعظم الرحالة في زمانها كعجيبة لا مثيل لها، أن تلاشت واختفت من الوجود؟ في القرن العاشر، تأسست فاس على منطق تجاري محكم، حيث كانت محورا للقوافل الممتدة من سجلماسة.


تحت وطأة المنافسة التجارية، انتهى الأمر بسجلماسة إلى الهجر والنسيان. تصوير أسامة غالب / لوديسك


وفي مطلع العصور الوسطى، بدا أن المدينة هي المركز الحضري الأكثر نشاطا وأهمية في المغرب. قبل ظهور الإسلام في المنطقة، كانت تجارة الصحراء الكبرى تتوجه إليها بالدرجة الأولى. وعلى الرغم من أن المدينة -بأسوارها، وقصورها، وأسواقها، وحدائقها- لم تُبنى إلا في منتصف القرن الثامن، فإن الذهب والعاج والملح كانت تُنقل إليها بغزارة. ومع ذلك، يعود الفضل في ازدهارها الحضري الهائل إلى الإسلام، حيث لعبت قبائل زناتة القوية، التي اعتنقت الخوارج حوالي عام 740، دورا محوريا في منح المدينة لقب ثاني مدينة إسلامية في المغرب بعد القيروان. فقد تجاوزت المدينة بذلك الإطار الاقتصادي لتصبح منارة دينية وعلمية. سكان حضريون متقدمون، تجارة لا تنضب، واحة مزدهرة، كل هذه مقومات جعلت سجلماسة مدينة أسطورية خالدة. وبحلول أواخر القرن التاسع، أنشأت المدينة ورشة سك العملة الخاصة بها. انتشرت قطع الذهب والفضة المختومة بختمها في أرجاء حوض البحر الأبيض المتوسط.


بقايا المدينة الوسيطة سجلماسة، التي كانت يوما القلب التجاري النابض للمغرب. تصوير أسامة غالب / لوديسك


لكن منذ منتصف القرن الثالث عشر، بدأت رحلة الانحدار. وقد رُسمت البدايات في جنوب الصحراء الكبرى، حيث تغيرت موازين القوى مع سقوط غانا القديمة وصعود إمبراطورية غانا القديمة. وانحسر دور الشركاء التجاريين التاريخيين للمغرب، وتحولت ثرواتهم إلى أيد أخرى. وتعرضت المدينة لغارات ونهب متكررة، فبدأت موجة هجرة أولى. وكما يقولون : "لا يأتي البلاء وحده"، فقد صاحبت التغيرات الاقتصادية كارثة بيئية؛ ففي ذلك القرن، ضرب جفاف رهيب منطقة تافيلالت. وبالرغم من النظام الهيدروليكي الفعال والمعترف به، لم تصمد المدينة أمام شح الأمطار القاتل.


جدران متهاوية على أرض صخرية، آثار باقية من سجلماسة، المدينة التي تحدت الزمن. تصوير أسامة غالب / لوديسك


ثم اجتاحت المنطقة وباء الطاعون الأسود، فابتعدت القوافل التي لا تزال تمر من سجلماسة عنها. وقلَّت المحاصيل، وعانت السكان من مجاعات شديدة. وما زاد الجفاف سوءا هو زحف التصحر البطيء، الذي ما زالت تداعياته تُشعر بها المنطقة حتى اليوم. وفي انتظار أن يعيد المتخصصون الحياة إلى المدينة المغربية الذهبية، تظل طريق القصور تعِد بمزيد من العجائب حول الرشيدية. في قلب عاصمة تافيلالت، يقف نصب رائع من العمارة المحلية، يعلوه علم الوطن، يجذب الأنظار. لكن لا تبحث عن منفذ لشراء تذكرة دخول، فهذه مجرد إدارة فرعية لوزارة الثقافة والاتصال، تضم أيضا مركز الدراسات والبحوث العلوية. وهناك ينتظرنا مدير المركز، حميدان عبد الرحمن. خبير متعمق في المدينة ومحيطها، يأخذنا في جولة جديدة بين القصور، آخر محطات رحلتنا.


أبواب الصحراء

هنا، وعلى خلاف الجماعات القروية في درعة، تنتشر القصور حول المدينة من كل جانب. ومن خلال طرقات ضيقة تخترق واحات أبواب الصحراء، يتحول خبيرنا إلى دليل ثمين. يخبرنا من البداية أن معظم القصور تعود إلى عهد مولاي إسماعيل، " فبعضها، التي هي في الواقع قصبات، كانت مقرات سياسية، يقيم فيها أفراد من الأسرة الملكية، مكلفون بتمثيل سلطة السلطان في معقله تافيلالت، بينما كان هو مقرا في عاصمته مكناس". المحطة الأولى على جانب قصبة مولاي أحمد الذهبي، قرية محصنة نابضة بالحياة، تبدو مكتظة بالسكان حتى اليوم. وتتوالى على فترات منتظمة جدران قصور أخرى تندمج بانسجام مع لون الأرض الفاتح، مشكلة سلسلة مدهشة تمتد على عدة كيلومترات.


مشهد مألوف في قرى ما قبل الصحراء: قصر، واحة نخيل، وخلفية جبلية صامتة. تصوير أسامة غالب / لوديسك


وهكذا يمكنك بسهولة التنقل بين زيارة قصور الشبيلي، الشقارنة وأولاد يوسف. فجميعها تروى بمياه آخر التقاء لوادي زيز، النهر الرئيسي في المنطقة، الذي ينبع من جبال الأطلس ويتبع، ليس من قبيل الصدفة، نفس مسار جولتنا. بعيدا قليلا، يبرز قصر ضخم، خاوي تماما، يتناقض بوضوح مع المشهد الطبيعي. يحمل حميدان عبد الرحمن إعجابا خاصا به : "ما زال كما بُني في منتصف القرن التاسع عشر، محفوظا بإتقان".


قصر الفدا الضخم قرب مدينة الريصاني، عملاق من الطين، يعد الأكبر في المنطقة. لوديسك

الفناء الواسع داخل قصر الفدا، يسع لمئات الفرسان، ويشهد على مجد غابر. لوديسك

إن "قصر الفدا" يتسم بحجم غير عادي، "وهذا منطقي، لأنه يستضيف أعلى ممثل للسلطان ويستخدم كمسكن له عند زيارته لتافيلالت"، كما يوضح خبيرنا. وباب ضخم يزين هذا العملاق الطيني، وجدرانه التي تعلو فوق جدران القصور الأخرى، تخفي داخله فناء شاسعا، "دليل على وظيفة الموقع العسكرية، حيث كان قادرا على استقبال مئات الفرسان".


القصور، امتداد للأرض، وصيغة معمارية للاستدامة في بيئة قاسية. تصوير أسامة غالب / لوديسك


بهذا الصرح الاستثنائي تختتم جولتنا بين القصور، لكن من الصعب مقاومة إغراء مواصلة الطريق جنوبا، إلى مرزوكة الأسطورية. حتى ذلك الحين، يفرض الصحراء هيمنته بأرض جرداء صخرية، لكن أولى اللوحات الإرشادية التي تحذر من "زحف الرمال" تعطي مؤشرا على تغير المشهد الجذري. في أقل من ساعة من الرشيدية، يتجلى مشهد خيالي كأنه من عالم آخر. تطل قمم الكثبان الرملية من الأفق، وتقربنا من صحراء الأحلام. عند مدخل المدينة، تَعِد الرياض والفنادق بإقامة استثنائية، محببة لعشاق الرياضات الميكانيكية، الذين يأتون من بعيد ليتزلجوا على الكثبان، سواء بالدراجات النارية أو سيارات الدفع الرباعي. أما الآخرون، فمجرد التأمل والتأني في الصحراء يكفي ليحلقوا بأحلامهم ويجوبوا الآفاق. أمام امتداد الصحراء الرملية، وكأنها عاصفة هوجاء تجمدت أمواجها العملاقة عبر الزمن، تنتصر إحساس الحرية الجارف. وهناك، أمام هذا المشهد الطبيعي الخلاب، تتغلب خجل الإنسان على نفسه. فما بعد ذلك، يُفتح عالم جديد، أقل سهولة في الوصول، لكنه يَعِد بمزيد من الاكتشافات المذهلة عن المغرب وتنوعه البديع. لكن تلك، قصة أخرى.

©️ Copyright Pulse Media. Tous droits réservés.
Reproduction et diffusions interdites (photocopies, intranet, web, messageries, newsletters, outils de veille) sans autorisation écrite.