مراكش، معجزة واحة حضرية
دراجة هوائية قديمة تستند بصعوبة إلى جدار، وعلى مقودها تتأرجح بعض الأوعية البرتقالية كعقارب ساعة بطيئة. يُنزلها با محمد واحدة تلو الأخرى، دون استعجال. بحركات دقيقة ثابتة كطقس متوارث، ينحني هذا الرجل الثمانيني عند حافة "السقاية" لملء أوعيته بالماء. وسط ضجيج الأزقة المرصوفة قرب مدرسة بن يوسف، يواصل العجوز عمله غير مكترث بصخب الحياة من حوله، حتى يمتلئ آخر وعاء. عندئذ، يعيد وضعها بعناية فوق دراجته الهشة التي تبدو وكأنها تقف بتوازن معجزي. وفي لحظة استراحة قصيرة، يرمقنا بنظرة مبتسمة قائلا : "لطالما فعلت هذا منذ طفولتي، هنا في سقاية ’اشرب وانظر‘". ليست مجرد نقطة ماء، بل رمز خالد في قلب المدينة العتيقة لمراكش. وكما يوحي اسمها، "اشرب وانظر"، فهي دعوة إلى التأمل في هذا المورد الذي لا غنى عنه للحياة، بل أيضا لازدهار واستمرار مدينة استثنائية تخفي في جوفها أعظم كنزها. دعونا ننطلق في رحلة غير مألوفة عبر الطريق الخفية للماء، طريق الحياة.
تعرف المدينة العتيقة لمراكش اليوم ترميما متقنا، يكفي للغوص لساعات في أزقتها التجارية. تصوير: أسامة غالب / لوديسكلكن قبل أن ننطلق في هذه الرحلة عبر المجرى المائي الحضري، يجب أن نتذكر أن مراكش ليست فقط العاصمة السياحية التي لا جدال فيها للمغرب. لقد كانت، منذ تأسيسها عام 1070 وحتى ترسخها كمعقل للمرابطين وسقوط خلفائهم الموحدين (1147-1269)، المركز السياسي لأعظم الإمبراطوريات الأمازيغية في العصور الوسطى. وقد بلغت شهرتها حدّا جعل اسمها يختلط باسم المغرب نفسه، كما هو الحال في اللغة البرتغالية حيث تُنطق "ماروكوس" أو بالإسبانية "مارويكوس". وحتى يومنا هذا، لا يزال معظم الإيرانيين يعرفون المملكة باسم "مراكش". تأسست هذه المدينة في النصف الثاني من القرن الحادي عشر بإشراف السلطان العظيم يوسف بن تاشفين (1061-1106)، ويُقال إن زوجته النافذة زينب النفزاوية لعبت دورا محوريا في هذا الحدث التاريخي.
فبينما كان زوجها منشغلا بتوسيع إمبراطوريته، التي امتدت بعد انتصاره الساحق في معركة الزلاقة في أكتوبر 1086 من شبه الجزيرة الإيبيرية شمالا إلى تلمسان شرقا ونهر السنغال جنوبا، تكفلت زينب بإدارة شؤون الدولة. كان لهذه الفتوحات الأندلسية تأثير واضح على مراكش، حيث استوحيت تصاميمها الحضرية من المدن الإسلامية في الضفة الأخرى من مضيق جبل طارق، حيث تُعتبر المياه عنصرا أساسيا في بناء المدينة. ولم يكن ذلك مجرد محاكاة، بل كان جزءا من المعرفة العريقة التي امتلكها المرابطون، الذين نشأوا في الصحراء واعتمدت حياتهم على البحث عن المياه وإدارتها.
البحث عن منابع الماء
لفهم سر العلاقة الفريدة بين مراكش والماء، ينبغي زيارة متحف محمد السادس لحضارة الماء في المغرب "أمان"، الواقع في المدخل الشمالي للمدينة. هذا المتحف، الذي افتُتح عام 2017 ويمتد على مساحة تفوق 2200 متر مربع، يقدم تجربة تفاعلية ثرية، حيث تعرض مشاهد بصرية وصوتية توضح التحديات التي واجهتها المدينة في إدارة مواردها المائية، ليس فقط في مراكش، ولكن في جميع أنحاء المغرب.
الواجهة الرئيسية لمتحف محمد السادس لحضارة الماء بالمغرب، عند المدخل الشمالي للمدينة. تصوير: أسامة غالب / لوديسك
تمثال فولاذي لحامل الماء، عنصر زخرفي ورمزي للغاية أمام متحف محمد السادس لحضارة الماء. تصوير: أسامة غالب / لوديسكإحدى الباحثات الشغوفات بهذا الموضوع هي سعاد بلقزيز، المهندسة والمعمارية العاشقة لمراكش، ليس فقط لأنها مدينتها ومسقط رأس أجدادها، ولكن لأنها مدينة لا تزال تبهرها بأسرارها التي تحاول كشفها دون كلل. في أوائل هذا القرن، كُلفت بترميم "سقاية اشرب وانظر"، وبينما كانت تعمل على إعادة رونقها، طرحت على نفسها سؤالا جوهريا : "من أين تأتي كل هذه المياه التي تتدفق هنا منذ مئات السنين؟"
حوض مائي يضفي في العادة هيبة على باحات مراكش، كما هو الحال في الحديقة السرية. تصوير: أسامة غالب / لوديسككان هذا التساؤل بداية رحلة بحث طويلة قادتها عبر الزمان والمكان، لتكشف في النهاية عن نظام مائي مذهل صممه وبناه أسلافها من المهندسين والمعماريين. وفي يونيو 2022، نشرت نتائج بحثها في كتاب بعنوان "معجزة الماء – مراكش مدينة البساتين المثالية"، حيث أوضحت كيف تم بناء المدينة بأكملها حول نظام مائي ذكي يضمن تدفق المياه إلى أهم المواقع الاستراتيجية.
يتكون هذا النظام من مئات الكيلومترات من الأنفاق الجوفية "الخطّارات"، وأحواض تخزين ضخمة مثل حوض المنارة الشهير، وخزانات سرية، ونافورات ذات تصاميم معمارية مبهرة وكأنها تحية لهذا الإنجاز الهندسي الفريد. وقد قامت الباحثة برسم خارطة دقيقة لمسارات المياه داخل المدينة العتيقة، لكن لفهم هذا النظام، كان عليها أولا العودة إلى مصدره.
لم يكن اختيار المرابطين لموقع مراكش عشوائيا. فرغم أن منطقة الحوز معروفة بجفافها، إلا أن قربها من جبال الأطلس الكبير وما تجلبه الأودية من مياه كان نعمة عظيمة. لكن مجرد وجود هذه الأنهار القريبة لم يكن كافيا، إذ كان لا بد من ابتكار وسائل لنقل المياه إلى وسط سهل مراكش القاحل. ترى سعاد بلقزيز أن هذا لم يكن مجرد تحدّ، بل إنجازا هندسيا مذهلا : "لم تكن جميع المياه سطحية، بل كانت معظمها جوفية، وكان لا بد من اكتشافها أولا. لا شك أن مهندسي المدينة الأوائل كانوا متمرسين في علم الهيدرونوميا، وهو علم تتبع مصادر المياه عبر دراسة التضاريس، والجيولوجيا، وحتى أنواع النباتات وسلوكها".
قصر الباهية يقلب المفاهيم مرة أخرى، هنا بألوانه الجريئة في قلب التراث المعماري المغربي. تصوير: أسامة غالب / لوديسكبعد تحديد مواقع المياه، كان التحدي التالي هو نقلها لمسافات طويلة. كانت هذه عملية معقدة تتطلب خبرة علمية متقدمة : "لقد اعتمد المرابطون على حسابات رياضية دقيقة ومعادلات هندسية معقدة. كانوا على دراية بحساب المثلثات، واستخدموا قياسات دقيقة لضبط انحدار القنوات بحيث تتدفق المياه بقوة الجاذبية وحدها، دون أن تكون سريعة جدا فتسبب التآكل، ولا بطيئة جدا فتتعرض للتبخر أو الامتصاص." وهكذا، أصبح نقل المياه إلى مراكش فنا قائما بذاته، وكانت "الخطّارات" الركيزة الأساسية لهذا النظام الفريد. في ذروة مجدها، كانت المدينة ومحيطها تحتضن ما لا يقل عن 600 خطّارة، وهو رقم قياسي في تاريخ نظم الري.
من عبق الماضي، نكهة من العصور الوسطى
منذ تأسيس مراكش، برهنت أنظمة الري على فعاليتها. وتحكي الأسطورة أن جيش يوسف بن تاشفين، خلال استراحة ضخمة، ألقى عشرات الآلاف من نوى التمر على أرض شاسعة شمال المدينة. والنتيجة؟ واحة النخيل الشهيرة في مراكش، المعروفة عالميا اليوم. ربما ستقيمون في أحد فنادقها الفاخرة، حيث يستظل أكثر من 100.000 نخلة ضمن هذا التراث الطبيعي الفريد للمملكة. لم يكن ظهور هذه الأعجوبة البيئية صدفة، بل كان نتيجة هندسة مائية متقنة. فقد حُفِرت "الخطّارات" بعناية فائقة، تصل أحيانا إلى أعماق كبيرة وتمتد لعشرات الكيلومترات. صُممت هذه القنوات بحيث تكون واسعة بما يكفي لصيانتها، مما جعلها تحظى باهتمام جميع السلالات الحاكمة بعد المرابطين. لم تقتصر فائدتها على تزويد المدينة بالمياه العذبة، بل سمحت بظهور ترف غير مألوف في هذه المناطق القاحلة : حدائق غنّاء. أبدع الموحدون، الذين حكموا المغرب والأندلس، في فن البستنة، مستلهمين من حدائق شبه الجزيرة الإيبيرية. فجعلوا من مراكش واحة خضراء، وخصوصا بالقرب من القصور الملكية، كما هو الحال في منطقة أكدال جنوب المدينة.
الماء، عنصر نادر وثمين في بعض الجهات، يُمجَّد من خلال الزخرفة العربية الأندلسية، كتحية لهذا العطاء السماوي. تصوير: أسامة غالب / لوديسكحول الحوض الأسطوري للمنارة، امتدت حدائق أكدال على 500 هكتار في القرن الثاني عشر، أي ما يعادل مساحة المدينة آنذاك. توضح سعاد بلقزيز في كتابها : "كان الحقل الأخضر انعكاسا للسلطة؛ فكلما زاد اتساعه، زادت هيبة الحاكم في أعين رعاياه خلال الحفلات والاستقبالات الرسمية". امتازت هذه الحدائق بتصميم هندسي ذكي؛ فقد بُنيت على محور طولي شمال-جنوب، مما سمح بتوزيع أكثر كفاءة للمياه واستغلال الانحدار الطبيعي للأرض.
بينما تتجولون في بساتين أكدال، ستكتشفون آثارا من كل العصور، محاطة بأسوار وقصور قديمة وحديثة، بما في ذلك القصر الملكي الحالي في حي المشور، حيث جرت تقليديا مراسم البيعة للسلاطين الجدد. لكن ليس فقط الملوك هم من تركوا بصمتهم في الحدائق المراكشية، بل أيضا الفنانين. ومن أشهرهم جاك ماجوريل، الرسام الفرنسي الذي منح اسمه إلى أحد أجمل حدائق المدينة وأكثرها شهرة عالميا.
وصل ماجوريل إلى مراكش عام 1917، وانجذب إلى ألوانها وضوئها. بعد بضعة أعوام في المدينة العتيقة، اشترى عام 1923 قطعة أرض على مشارف المدينة، في منطقة مقفرة تُعرف بـ"رويدات"، لم يكن فيها سوى عدد قليل من أشجار الحور. لم يكن اختياره عشوائيا، إذ أن المياه الجوفية هناك أقرب إلى السطح، ما سمح له بتحقيق حلمه بإنشاء حديقة غير مسبوقة. غرس ماجوريل نباتات من جميع أنحاء العالم، جمعها خلال أسفاره، وأطلق على المكان اسم "بوصفصاف"، تيمّنا بشجرة الحور التي ذكرته بمسقط رأسه في لورين بفرنسا. لكن الحدائق، التي أصبحت اليوم مفتوحة للزوار على مدار العام، تتطلب حجزا مسبقا نظرا للإقبال الكبير عليها. وإذا كنتم بصدد استكشاف الحدائق المراكشية، فلا تفوتوا زيارة قصر المأمونية، الذي يُصنف بين أفخم الفنادق في العالم. هذا القصر الأسطوري، بجنائنه الغنّاء، يقدم تجربة استثنائية تجمع بين التاريخ والترف، حيث يمكن للزوار تذوق سحر مراكش من خلال أجوائه الفريدة. بين واحات النخيل، والخطّارات الذكية، والحدائق الملكية، والمروج التي ألهمت الفنانين، تروي مراكش حكاية فريدة عن علاقتها العريقة بالماء، حيث تحول هذا العنصر الحيوي من ضرورة إلى فن، ومن تحدٍّ إلى معجزة هندسية خالدة.

سر الحدائق القصرِيّة
ما إن تعبروا أبواب هذا القصر الفاخر، حتى تُغريكم دهاليزه العريقة بممراتها الفخمة وأروقتها التي تبدو خارج الزمن. لكن، لا تدعوا هذا السحر يأخذكم بعيدا قبل أن تتوجهوا نحو الواجهة الزجاجية التي تفتح على عالم آخر؛ حيث تبدأ نزهتكم الحالمة في حدائق ممتدة على ثمانية هكتارات، تتخللها قنوات ري تنساب كوشوشات الماء العذب، مستعيدة في صمت همسات الخطارات العتيقة التي صنعت مجد السقاة على مر العصور. في منتصف الطريق، حيث تفوح رائحة الورود من كل حدب وصوب، يتراءى أمامكم بناء مربع الشكل، أبوابه مقوسة، وكأنه حارس الزمن على مفترق الدروب. إنه "المنزه"، ذاك الملاذ المترف الذي قدمه السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن (1757-1790) هدية زفاف لابنه مولاي مامون. ولم يكن يعلم هذا الأمير العلوي أن اسمه سيتردد إلى الأبد، عندما اختاره أحد أشهر فنادق العالم ليحمل بصمته. كان مولاي مامون يجد في هذا المكان ملاذا لمتعة مغربية أصيلة : "النُزهة"، تلك الطقوس التي تجمع بين السير على مهل، والتأمل في جمال الطبيعة، والاستمتاع بلحظات من السكينة. وحتى اليوم، لا تزال هذه العادة تحتفظ بسحرها، داعية الزوار إلى التمهل، والانغماس في طيف الأزمنة الغابرة. وعلى مقربة من هذا المنزه، تصطف أشجار الزيتون المعمّرة على جانبي الممر الرئيسي، وكأنها شهود صامتة على أزمنة ولّت، ربما كانت هنا منذ أن شيّد الموحدون الأسوار العريقة التي تحرس جمال المامونية الأبدي.
الحديقة السرية من أعلى. تقع في قلب حي المواسين، وهي دار تعود للعهد السعدي، أعيد تأهيلها في القرن التاسع عشر لاستقبال كبار الشخصيات، وحديقتها الرائعة أصبحت اليوم مفتوحة للعموم. تصوير: أسامة غالب / لوديسكمراكش، حديقة الجنوب الحمراء، تزخر بحدائق أخرى، بعضها يقبع في أطراف المدينة، لكنها جميعا تحتفي بمعجزة الماء. هذا السحر الذي لا ينبثق فقط في السواقي المكشوفة، بل يتسلل بخجل حتى إلى قلب المدينة العتيقة. إن كنتم من عشاق الأسرار، فاتبعوا "طريق الماء"، التي كشفت عنها الباحثة سعاد بلقزيز، حيث يبدأ هذا الدرب من أحد كنوز المدينة المنسية : قصر البديع، الذي يعود اليوم إلى الذاكرة بعد أن ظل دهرا في طي النسيان. وما أروع اسمه، فـ"البديع" يعني الفريد الذي لا نظير له، وهكذا هو، بكل ما فيه من هيبة وجمال. اكتمل بناؤه عام 1593، ليكون تتويجا لعودة مراكش إلى مجدها في تاريخ المغرب.
في القرن السادس عشر، خرجت الدولة السعدية من عمق الجنوب المغربي، تحلم بالمجد، فسلكت طريق الفاتحين. بدأوا بغزو الموانئ الأطلسية المحتلة، تحت راية الجهاد والتحرير، وكسبوا شرعيتهم الدينية بانتمائهم إلى سلالة النبي محمد. سرعان ما رسّخوا سلطتهم، ودخلوا مراكش فاتحين عام 1524، ليجعلوها عاصمة لدولتهم. بلغ السعديون ذروة مجدهم عام 1578، بعد معركة وادي المخازن (المعروفة أيضا باسم معركة الملوك الثلاثة) قرب العرائش، حيث حقق المغاربة نصرا ساحقا على الملك البرتغالي سباستيان الأول. لم يكن هذا الانتصار مجرد لحظة مجيدة في التاريخ، بل فتح أبواب حقبة جديدة، حملت معها سلطانا فريدا، هو أحمد المنصور الذهبي (1578-1603).
هذا الملك الذي حمل اسم "المنصور" لنصره العظيم، ولقب "الذهبي" لما جمعه من كنوز، سيصبح لاحقا سيدا لطريق الذهب، بعد أن مدّ سلطته إلى أعماق الصحراء الكبرى. لكنه، لم يكتف بالمجد العسكري، بل أراد أن تخلد بصمته في حجارة مراكش، فجعل من قصر البديع تحفة معمارية، شاهدة على زمن كانت الشمس لا تغيب عن مجد المغرب.
تجسيد الفردوس الأرضي
على عتبة هذا الجوهرة السعدية، عند زاوية زنقة بريمة، يبدأ الغوص في ما كان يوما تجسيدا للفردوس الأرضي. المدخل، المُحاط بأسوار سميكة بلون الطين المحروق، لا يُفصح بعد عن عظمة المكان، ذلك الصرح الذي بُني ليكون حفلة أبدية للحواس. تخيلوا جدرانا، بعضها مكسوٌ بالكامل برخام نادر جُلِب خصيصا من إيطاليا، وسجادا فاخرا، وزخارف مذهبة، وبلاطا بلغت دقته أقصى درجات الإتقان. المعمار هنا متأثر بروائع الأندلس، وبالأخص القصر العظيم بقرطبة، حيث ترسم حدود الباحة الهائلة، بمقاييس هندسية صارمة، في مساحة تبلغ 135 مترا طولا و110 أمتار عرضا. وفي جانبيها، كان حوضان عملاقان يحتضنان حدائق من الزيتون والبرتقال، بينما تتوسط الساحة نافورة ضخمة، كانت لا تُروي العطش فحسب، بل كانت شريان الحياة للنباتات والبشر على حد سواء.
مزيج بارع بين الخشب والزليج، يجسد تآلفا استثنائيا لفنون الصناعة التقليدية المغربية-قصر الباهية. تصوير: أسامة غالب / لوديسكتتوزع أجنحة القصر المغطاة في الجهات الأربع للبناء. ويذكر الفشتالي، مؤرخ الدولة السعدية، أن أروقته استندت على 500 عمود من الرخام، وأن أسقفه ازدانت بعشرين قبة، لم ينجُ منها سوى خمس قباب فقط. لطالما انبهر السفراء الأجانب بجمال هذا القصر في أوج مجده، لكنه لم يكن قصرا للخلود، بل عرف مصيرا عاصفا، ارتبط ارتباطا وثيقا بمصير السعديين، الذين ما لبثوا أن سقطوا في منتصف القرن السابع عشر. ومنذ ذلك الحين، أصبح "البديع" محل أطماع لا تنتهي، فتعرض للنهب، قبل أن يستعيد بريقه كرمز سياسي في السنوات الأولى لحكم السلطان مولاي إسماعيل (1672-1727). حين واجه هذا السلطان تمرد ابن أخيه أحمد بن محرز، الذي تحصن في مراكش، لم يكن ود سكان المدينة إلى جانبه، فقرر معاقبتهم بحرمانهم من آخر الكنوز السعدية، وأمر بنقل نفائس القصر إلى عاصمته الجديدة مكناس.
اليوم، يستعيد هذا الموقع دوره الثقافي في قلب مراكش، حيث يستضيف بعضا من أكبر الفعاليات الفنية. لكن، مع طيف من الحنين إلى زمن القصر السعدي، تواصل "طريق الماء" جريانها، حاملة زوارها نحو باب شكيرو في زنقة بريمة. انعطفوا يسارا، وستجدون أنفسكم في ساحة الصفارين، التي كانت في الماضي معقل الحرفيين المهرة في صناعة المعادن. ولا تزال بعض متاجرها حتى اليوم تحتفظ بروح الأصالة والإبداع، فتجمع بين التصاميم التقليدية ولمسات حديثة تعانق روح العصر. تحت أقدامكم، تتدفق المياه غير المرئية، ماضية نحو الحي المجاور، الملاح، الذي كان على مدى قرونٍ عديدة موطنا للجالية اليهودية، منذ أن وفدت إليه أولى الهجرات اليهودية القادمة من الأندلس في ثلاثينيات القرن الخامس عشر. وعلى الطريق المتعرجة المؤدية إليه، ترتفع بوابة شاهقة، مفتوحة على مصراعيها، تسمح بسيل مستمرٍ من الزوار، بينما تطل نخيل باسقة من خلف أسوار سميكة، كاشفة عن فسحة رحبة، تقف شاهدة على قلب المدينة العتيقة الذي يضيق شيئا فشيئا.
قصر الباهية وما يحتويه من تسلسل مذهل للغرف، كل واحدة منها أكثر إدهاشا من الأخرى. تصوير: أسامة غالب / لوديسكهنا، أمامكم قصر الباهية، كنز العمارة المغربية، الذي يخفي بداخل جدرانه أسرار الجمال والفن. رغم بساطة واجهته الخارجية، إلا أن هذا الصرح يختزن بين أروقته تحفا لا تُحصى، تماما كما كانت "الباهية"، المرأة التي سُمي القصر باسمها، جوهرة في بلاط أقوى رجال الدولة أواخر القرن التاسع عشر. كان باحماد (أحمد بن موسى)، الحاكم الفعلي للمغرب بعد وفاة السلطان مولاي الحسن الأول (1874-1894)، رجلا يُدير دفة الحكم بقبضة حازمة، نيابة عن سلطان طفل لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره، وهو مولاي عبد العزيز (1894-1907). لم يكن رجلا يحكم من الظل، بل كان وجها بارزا من وجوه مراكش، حرص على أن يُظهر مكانته السياسية من خلال هندسة قصره الفريد. لم يكن الباهية مجرد مسكن فخم، بل وصية منحوتة في الزمن، أراد بها باحماد أن يترك بصمته الأبدية، ليظل قصره شاهدا على مجد لا يزول.
الماء، لمسة جمالية ساحرة لباحات الطراز العربي الأندلسي، هنا في إحدى باحات قصر الباهية. تصوير: أسامة غالب / لوديسكفي ساعات الذروة، يصبح الانتظار في الصف لشراء التذاكر أولى مراحل الزيارة، حيث تمتد ممرات خضراء طويلة، تصطف على جانبيها النخيل الشاهق، بينما تزين لوحات تعريفية الطريق، تمجد الحرف التقليدية التي ازدهرت عبر الزمن. في نهاية هذا الممر، بوابة ثانية، تفتح على باحة القصر الداخلية، حيث تنتظر الزوار رواق ساحر، لا يوحي بأن خلف جدرانه يختبئ عالم من 150 غرفة وقاعة، بعضها لا يزال مستترا عن أعين العامة.
لأجل زخرفة قصر الباهية، تم تجنيد أفضل الحرفيين المغاربة في القرن التاسع عشر. والنتيجة: عمل فني عملاق يستحق التأمل. تصوير: أسامة غالب / لوديسكيكفي اتباع اللافتات التي ترسم دروب التجوال داخل القصر، ليجد الزائر نفسه غارقا في حلم شرقي مستلهم من ألف ليلة وليلة. هذه الرؤية قد تبدو سطحية، لكنها لا تخلو من حقيقة تتماشى مع البعد الحسي لهذا المعمار، الذي تصوره السرديات التاريخية على أنه قصر للنساء – زوجات الوزير القوي وجواريه، اللاتي عشن في عزلة مترفة، بعيدا عن أعين المتطفلين، وكأن الزمن قد توقف داخل أسوار الحريم.
كانت الباهية، الجارية المفضلة، تحظى بمكانة استثنائية، لكن كل واحدة من المقيمات حظيت بجناح خاص، مزين بأفخر الزخارف الخزفية، ومنحوتات خشبية بديعة، وجدران ناصعة البياض من الجير الصقيل. وبين الغرف والساحات الداخلية، تُرفع الأنظار إلى السقوف المذهلة، حيث تُرسم الدهشة على وجوه الزوار، الذين يطيلون النظر إلى الزخارف الخشبية المتشابكة، حتى تكاد أعناقهم تتعب من التحديق.
في هذا المتاهة المعمارية، تتسلل حدائق أندلسية، تنبثق فجأة بين أروقة القصر، مشرقة بألوان الزهور البراقة، وأشجار البرتقال والرمان، تُنعش النفس وتضفي على الجولة نكهة الاستكشاف العفوي. لكن، لم يكن القصر فقط ملاذًا للنساء في الظل، فبعض القاعات الأكبر حجما تذكر بأن هذا المكان كان أيضا مساحة للسلطة والاستقبال. على سبيل المثال، قاعة الاستقبالات، حيث تتربع في نهايتها مدفأة مدهشة، مُزدانة بخزف متعدد الألوان، وهو عنصر نادر في زخرفة مراكش، لكنه هنا ينسجم ببراعة بين التقاليد والحداثة، متجسدا في روح التجديد التي أرادها الباهية.
يعرض قصر الباهية أيضا تركيبة فريدة من نوعها في الفسيفساء، ونقوشا مبتكرة على الجص. تصوير: أسامة غالب / لوديسكلكن قمة الجمال، والمشهد الذي يخلد هذا القصر في الذاكرة، يقع في القلب النابض للموقع : باحة الشرف الأسطورية، حيث شمس مراكش الحارقة لا تحتاج إلى مزيد من السطوع لتزيدها وهجا. في فضاءٍ رحب يمتد 50 مترا طولا و30 مترا عرضا، تتجسد صورة سينمائية أقرب إلى مشهد من أفلام هوليوود عن الشرق. الأرضية، مزيج ساحر من رخام كرارا الإيطالي الفاخر والزليج المغربي اللامع، تعكس، في تمازج فني متقن، الألوان البديعة للمشربيات المزخرفة التي تتوج الأعمدة العديدة المحيطة بالباحة.
ممر مغطى بزليج أنيق، وفي نهايته ساحة الشرف الأسطورية لقصر الباهية، إحدى روائع مراكش التي لا تضاهى. تصوير: أسامة غالب / لوديسكفي هذا المكان، لا يجرؤ الزائر على وطء الأرض بخطوات عادية، بل يسير كما لو أنه ينساب في حلم حي، مستوحى من صفحات التاريخ. يحتضن سقف القصر ظلالا من الأزرق السماوي والأصفر الزاهي، تمتزج مع الأخضر التقليدي للبلاط الذي يزينه، ليضفي على المشهد روعة لا مثيل لها. وإذا ما أيقظت هذه التحفة شهية الزائر، فإن متابعة طريق الماء لن تروي العطش فحسب، بل ستُغدق عليه بفيض من النكهات والتقاليد العريقة. يمتد المسار عبر زنقة رياض الزيتون الجديد، التي كانت في زمن مضى ممرا بين بساتين الزيتون الغنّاء. وبعد بضع خطوات، يلوح في الأفق وجهة غير متوقعة : متحف الفن الطهوي المغربي. يقع المتحف داخل رياض فخم يعود للقرن التاسع عشر، وقد خضع لعملية ترميم دقيقة أعادته إلى مجده السابق. عند مدخل هذا الصرح، تقف واجهة أنيقة كدعوة لاستكشاف أسرار المطبخ المغربي، الذي لا يزال متربعا على عرش المأكولات العالمية. يؤدي ممر طويل مرصوف بالزليج، وجدرانه مكسوة بـ"تدلاكت" ناعمة ولامعة، إلى الطابق الأول، حيث ينتظر الزوار عالم من النكهات والتقاليد.
هنا، يمكن للزوار الغوص في تاريخ الأطباق التقليدية، من البريوات والطواجن، إلى الحلويات الشهيرة مثل الشباكية و"قرن الغزال". في قاعة أخرى، تعرض فن المائدة المغربي في صالون مغربي أصيل، حيث تتناغم المنسوجات المطرزة يدويًا مع الأواني الخزفية المزخرفة. وإلى جانب ذلك، تحتضن قاعة منفصلة عالم الشاي المغربي، حيث تُكشف أسرار تحضيره وتقديمه وفق طقوسه العريقة. أما التوابل العطرية، فتجد مكانها في غرفة تعبق بروائح الزعفران، والقرفة، والكمون، وغيرها من الكنوز التي تشكل هوية المطبخ المغربي. يكتمل المسار عند الباحة المركزية، حيث تُعرض منتجات محلية أصيلة، دعما للتعاونيات التي تروج للزراعة المستدامة والتجارة العادلة. وهنا، يستحيل مقاومة دعوة المطعم المتألق داخل المتحف، الذي يقدم أطباق مراكشية أصيلة بلمسة فنية راقية. ولأولئك الذين لا يرغبون في أن تبقى التجربة مجرد ذكرى، يمكنهم حجز ورشة طهي، يشرف عليها أشهر الطهاة التقليديين، "الدادات"، اللواتي كُنَّ لقرون حارسات أسرار المطبخ المغربي.
محلات المدينة العتيقة لمراكش تشكل، هي الأخرى، عرضا بصريا لزوار المدينة، تراث غير متوقع للمدينة الحمراء. تصوير: أسامة غالب / لوديسكبعد هذه الرحلة الذوقية، يستمر طريق الماء متعرجا في أزقة مراكش القديمة، حيث تتحول زنقة رياض الزيتون الجديد إلى ساحة نابضة بالحياة، تعج بالمقاهي والمطاعم والمحلات التجارية. على مقربة من درب الباهية، يمكن القيام بالتفاف قصير نحو "سقاية الزيتون الجديد"، تلك النافورة التاريخية المخفية تحت سقف خشبي منحوت، والتي تعكس الطراز المعماري الموريسكي الأصيل.
النوافير، على اختلاف أشكالها، تحتل عادة مركز الحدائق والباحات في مراكش، كما في قصر الباهية. تصوير: أسامة غالب / لوديسكومع التقدم في السير، تزداد أعداد الحمامات التقليدية، التي تعتمد في تدفق مياهها على شبكة القنوات الجوفية القديمة. وتحت وطأة هذا الحراك المتصاعد، يقترب الزائر من محطة الرحلة الكبرى : الساحة الأشهر في مراكش، وربما في كل المغرب.
إيصال الماء إلى المدينة العتيقة ساهم في تطوير حمام مراكش، الذي أصبح جزءاً من تراثها المميز. هنا في إحدى قاعات قصر الباهية. تصوير: أسامة غالب / لوديسكعبر الطريق الجنوبي الشرقي، ها أنت ذا تصل إلى ساحة جامع الفنا، رمز مراكش النابض، تلك الساحة التي حظيت بتكريم اليونسكو سنة 2001، واحتلت مكانا مميزا في قائمة التراث الإنساني غير المادي. بمجرد أن تطأ قدماك أرضها، تجد نفسك في عالم ساحر من العروض الحية والأساطير المنبثقة من صخب المدينة العتيقة. حلقات الحكواتيين تتوسطها قصص مروية بحناجر مشبعة بالحكمة، سحرة الأفاعي يبثون الرهبة في القلوب، عرافات يقرأن الأقدار، وأكشاك تملأ الأجواء بروائح التوابل والزيوت العطرية. إنها لوحة ثقافية نابضة، مزيج من الأصوات والألوان، تتجلى فيها روح مراكش الأصيلة. غير أن هذا المكان، المعروف اليوم في جميع أنحاء العالم، لم يكن دوما مسرحا للفنون والفرجة. فما الاسم الذي حملته هذه الساحة في الأزمنة الغابرة؟ يعود ذكرها إلى القرن الثاني عشر تحت مسمى "رحبة القصر"، حيث كانت المحكمة تحتضن أحكام العدالة، وأحيانا، تنطق بالعقوبات الأشد قسوة. مئات الرؤوس تدحرجت على هذه الأرض، التي تمتلئ اليوم بأقدام السياح وفضول المستكشفين. وفي القرن السابع عشر، حملت اسما أكثر رهبة : "ساحة الهالكين"، عنوانا لحقبة كئيبة لم تصمد أمام نبض الحياة التي استعادت ألقها هنا، حيث يتعالى الضحك وتحلق الحكايات في سماء المدينة.
صومعة الكتبية المبهرة، تخفي منذ العصور الوسطى نظاما مائيا بديعا في أعماقها. تصوير: أسامة غالب / لوديسكفي غمرة هذا المشهد الذي قد يأسر حواسك لساعات، ارفع بصرك قليلا إلى يسارك، حيث تقف كأنها تروي للأجيال أسرار الأزمنة الغابرة : صومعة الكتبية الشامخة. تحفة الموحدين، وأخت "خيرالدا" في إشبيلية، و"صومعة حسان" في الرباط. لكن ما لا يدركه كثيرون هو أن هذه الصومعة العظيمة تخفي في أعماقها خزانا مائيا هائلا، اكتُشف في بدايات القرن العشرين. وهو جزء من شبكة عبقرية تحفظ تدفق الماء في قلب المدينة، وقد يكون قريبا متاحا للزوار بعد ترميمه. لنكمل الرحلة مع درب الماء، حيث تناديك "سوق القصور"، تلك الزقاق النابضة بالحياة، الواقعة قرب مقهى أركانة في الشمال الغربي من الساحة. ولكن احذر ! فإن زخم الأسواق التقليدية وروعة الصناعات اليدوية قد تسرق منك الزمن. واصل الطريق حتى نهاية زنقة فحل الشظمي.
ساحة المواسين، نقطة ارتكاز لنظام توزيع الماء داخل المدينة العتيقة. صالة عرض فنية تواجه تحفة أخرى: نافورة المواسين، المشيدة سنة 1562. تصوير: أسامة غالب / لوديسكهناك... يبدأ حي المواسين، المحطة الأخيرة في هذا المسار المائي العريق. يحمل هذا الحي اسم "مسجد المواسين السعدي"، ليس مجرد دار عبادة، بل مجمع ثقافي وروحي متكامل يضم مكتبة، ومدرسة، ونافورة، وحماما عاما، لا يزال شامخا منذ عام 1562. على مدخله نقش يحمل هذا التاريخ العريق، ومن داخله يفوح عبق الطقوس القديمة، حيث يلتقي الماء والطين لتنقية الأجساد. الطمي المستخرج من جبال الأطلس، زيت الأركان، والصابون البلدي، كلها أسرار تجدد الروح والجسد. وما إن تنتهي الطقوس، حتى يقدم لك كأس الشاي، كأنه يختم لحظة الصفاء بروحانية مغربية خالصة.
نقوش خشبية وجصية تُزين نافورة المواسين، تعبير منذ القرن السادس عشر عن فخر مراكش بتوفير الماء مجانا داخل أزقتها المزدحمة. تصوير: أسامة غالب / لوديسكوبعد لحظات من الاسترخاء، دع ناظريك يتأملان نافورة المواسين، على بعد خطوات قليلة من الحمام العريق. إنها بلا شك واحدة من أروع "السقايات" التي تزهو بها المدينة العتيقة، وقد رُفعت إلى مقام التراث الحضري المحفوظ بعناية. وعلى لوح حجري عتيق، تقرأ نقشا يروي حكايتها : "بُني هذا الصرح في عهد السلطان عبد الله الغالب السعدي، سنة 1562". وتتألف النافورة من ثلاثة أحواض، يتوسطها خزان مائي يحتضن الحياة، فيما كانت الأحواض الجانبية مخصصة لسقاية الدواب والقوافل العابرة. ورغم أن الزمن قد مر، وأصبحت النافورة محجوبة خلف أسوار من الحديد المشغول، إلا أن بريقها لم يخفت، ولا تزال همسات الماء فيها تروي حكايات القرون الخالية.
أنشودة إلى الموسيقى
المحطة الأخيرة في رحلتنا المائية تقودنا إلى مكان أسطوري، لا تكتمل زيارة مراكش دونه. ولكن، قبل أن تودع حي المواسين، تمهل قليلا، وأصغ إلى نغمة أخرى غير همسات الماء، في متحف الموسيقى الساحر، القابع في منزل عتيق من القرن السادس عشر. في وضح النهار، تأخذك هذه الزيارة في رحلة ساحرة عبر تنوع الأنغام المغربية، حيث تتعانق الإرث الأندلسي، النغمات الصوفية، الإيقاعات الأمازيغية، واللمسات الإفريقية في مغامرة بصرية وسمعية فريدة. أما في المساء، فيتحول المكان إلى مسرح للروح، حيث تصدح ألحان حميمية بين الجدران القديمة، وكأنها تحيي أزمنة غابرة، متجددة عبر الزمن.
وها نحن نواصل المسير نحو مدرسة بن يوسف، التي تقف شامخة عند نهاية زنقة أزبزت، وكانت في أوج مجدها تنافس جامعة القرويين بفاس. جُدِّدت المدرسة حديثا عام 2017، لكنها لا تزال شاهدة على عظمة السلالة الشريفة التي حكمت مراكش، وعلى البراعة الهندسية والحرفية التي نقشها التاريخ على جدرانها. قد تستغرقك الزيارة لساعات، إذ إن بهاء باحاتها الواسعة المستوحاة من الأندلس، وزخارف جدرانها المزينة بأروع الخطوط، يجعلك تتيه بين تفاصيل لا نهاية لها. ولكن، إن كان لا بد لك من تركيز نظرك على مكان واحد، فاتجه نحو الفناء المركزي العظيم، حيث تكشف الشروحات أن هذا الفضاء كان مصدر الأجواء الروحانية في المدرسة. هنا، تحت الممرات المقوسة، كان الطلبة يجلسون متحلقين، يتلون آيات القرآن الكريم بصوت واحد، في انسياب مهيب. على رخام الفناء الأبيض الذي يمتد على 360 مترا مربعا، لا يزال عبق التلاوات القديمة يتردد في الأرجاء، فتشعر بأن الروحانية تتغلغل في المكان، نابضة بالحياة رغم سكونه.
وبعد هذا التجوال، يصبح من الجلي أن المسار الخفي للماء في مراكش كان يتجه نحو مدرسة بن يوسف، التي تغذت قرونا على هذه النعمة المقدسة، كما ورد في القرآن الكريم. أذهل المهندسون القدامى العالم مرة أخرى، حينما أقاموا في قلب المدرسة نظاما مائيا مذهلا، حيث يكشف لنا التاريخ عن "المعدة"، وهي غرفة تحتفظ بالمياه وتوزعها وفق نظام انسيابي يعتمد على الجاذبية، وقد صُمِّمت هنا على شكل مخروطي فريد من نوعه.
قبة الموحدين، تحفة معمارية من القرن الحادي عشر، تشكل أيضا عنصرا أساسيا في شبكة توزيع المياه في مدينة مراكش. تصوير: أسامة غالب / لوديسكوأخيرا، تقترب الرحلة من نهايتها، حيث نجد أنفسنا على بعد خطوات من آخر أسرار الماء في المدينة. خلف ظلال المدرسة المهيبة، تبرز القبة المرابطية، آخر الشواهد الحية على عبقرية السلالة المؤسسة لمراكش. هذا المكان ليس فقط تحفة معمارية آسرة، بل هو القلب النابض لشبكة المياه التي كانت تجري في أحشاء المدينة. وتحت قبة مهيبة كانت مخصصة يوما لوضوء المصلين، يمكنك أن تهبط إلى الأسفل، حيث تروي اللوحات الإرشادية قصة القنوات القديمة، والمواد التي نُحِتت منها المجاري السرية تحت أرض مراكش. وهكذا، بعد كل هذه المحطات، ستدرك المعنى العميق لاسم "سقاية اشرب وشوف"، الواقعة على بُعد دقائق عند منعطف زنقة "Assouel". وربما، إن حالفك الحظ، ستلمح هناك با محمد، ودراجته القديمة، وجراره البرتقالية…
©️ Copyright Pulse Media. Tous droits réservés.
Reproduction et diffusions interdites (photocopies, intranet, web, messageries, newsletters, outils de veille) sans autorisation écrite.











