الندوة الإفريقية البحرية.. حين تتحول المحيطات إلى ورقة جيوسياسية
الدورة الثالثة من الندوة الإفريقية البحرية (AMS)، التي نظمها مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد تحت شعار: « البحار الإفريقية: رهانات استراتيجية في عالم شديد الترابط والصراعات ». المصدر: وكالة أوموكتو
استضافت سلا، يوم الأربعاء 13 ماي، الدورة الثالثة من الندوة الإفريقية البحرية (AMS)، التي نظمها مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد تحت شعار : "البحار الإفريقية : رهانات استراتيجية في عالم شديد الترابط والصراعات". وجمعت هذه الدورة، التي تمثل مرحلة جديدة في تطور الندوة نحو توسيع نطاق التفكير ليشمل كافة الفضاءات البحرية للقارة، خبراء وصانعي قرار وأكاديميين وممارسين أفارقة ودوليين، توزعوا على أربع جلسات موضوعاتية رفيعة المستوى.
وفي وقت تتصاعد فيه التنافسات الجيوسياسية وتتسارع ديناميات الترابط العالمي، لم يعد ينبغي النظر إلى الفضاءات البحرية الأفريقية كمجرد امتداد جغرافي للأراضي القارية، بل أصبحت واجهات استراتيجية أساسية تتقاطع عندها التدفقات التجارية العالمية، والبنيات التحتية البحرية الحيوية، والموارد الاقتصادية الغنية الضرورية للاقتصادات الوطنية. وقد أكد المنظمون في بيانهم التمهيدي أن هذه الفضاءات تظل في الآن ذاته معرضة لمخاطر هيكلية جسيمة، من الاتجار غير المشروع والقرصنة والاستغلال غير القانوني للموارد السمكية، إلى آثار التغير المناخي على المناطق الساحلية.
وفي هذا السياق، أكد جمال مشروح، الزميل الأول في مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد أن البحر لم يعد مجرد فضاء للتنقل، بل أصبح ساحة حقيقية للتنافس بين القوى الكبرى. وقال إن أفريقيا تحتل في سياق إعادة التشكل العالمي الراهن مكانة جغرافية متميزة لم تُترجَم بعد إلى مركزية استراتيجية حقيقية، محذرا من أن القارة تعيش مفارقة صارخة : فبينما يتحول مركز الثقل العالمي من البر إلى البحر، لا يزال البحر مُهمَشا في التفكير الاستراتيجي القاري. وخلص إلى أن السؤال المحوري يظل مطروحا : هل تريد أفريقيا الاكتفاء بالتكيف مع تحولات العالم، أم تطمح إلى أن تصبح فاعلا رئيسيا فيه؟
الفضاءات البحرية الإفريقية.. ثروة بحرية تنتظر إرادة سياسية
في إطار الجلسة الأولى المخصصة لتشخيص الفضاءات البحرية الأفريقية، أوضح جورج مبا أسيكو، المستشار لدى رئيس جمهورية الغابون، والرئيس السابق لقسم الاقتصاد الأزرق بمفوضية الاتحاد الإفريقي، أن الفضاءات البحرية شكلت تاريخيا مسارات للتواصل والتبادل، وأن دولا أفريقية كثيرة أدارت ظهرها للبحر عقب الاستقلال، متجاهلة الطرق البحرية والمائية التي كانت تنظم تبادلاتها. واستشهد بالمغرب نموذجا استثنائيا لدولة حافظت على علاقة استراتيجية وطيدة بفضائها البحري، على عكس كثير من الدول الإفريقية التي تخلت عن هذا الموروث.
وأضاف أسيكو أن القارة لا تفتقر إلى الأدوات الاستراتيجية، مستشهدا بالاستراتيجية البحرية الأفريقية المتكاملة 2050، وميثاق لومي، وأجندة 2063، غير أن العقبة الرئيسية تكمن في الانتقال من الاستراتيجيات إلى الفعل. وأبدى أسفه الشديد لكون ميثاق لومي، أحد الصكوك الملزمة النادرة للاتحاد الأفريقي في المجال البحري، لم توقع عليه سوى ثلاث دول بعد مرور عشر سنوات على اعتماده، داعيا، في هذا السياق، إلى ظهور صوت إفريقي موحد في الشؤون البحرية، لا سيما في ظل انضمام الاتحاد الأفريقي إلى مجموعة العشرين.
من جهتها، ركزت ديينابة باي، الخبيرة السينغالية المتخصصة في القانون الدولي، على الأطر القانونية الدولية التي تنظم الفضاءات البحرية الأفريقية، وأوضحت أن الحوكمة البحرية لا يمكن أن تستقيم دون استيعاب عميق لآليات اتفاقية أونكلوس واتفاقية "BBNJ" المتعلقة بالتنوع البيولوجي البحري خارج نطاق الولايات القضائية الوطنية. وأضافت أن إدماج هذه المبادئ في التشريعات الوطنية يمثل ضرورة جوهرية لتعزيز فعالية الرقابة على الصيد غير المشروع وحماية الموارد.
كما أشار عبد المالك فرج، الخبير لدى البنك الدولي، والمدير العام السابق للمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، إلى أن الاقتصاد الأزرق يجب أن يُعامل بوصفه سلسلة قيمة متكاملة تربط الصيد بالموانئ والنقل والسياحة الساحلية والتحويل الصناعي وتوليد فرص العمل، محددا ثلاثة روافع جوهرية : الحكامة، والتمويل، والوصول إلى المعلومات والمعرفة العلمية، ملاحظا أن رؤوس الأموال متوافرة لكنها تفتقر إلى مشاريع مرئية وجيدة الهيكلة تستقطبها.
الاقتصاد الأزرق.. وعود وواقع آفاق جديدة للتنمية
ورصد فرانسيس بيران، الزميل الأول في مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، سبع ديناميكيات جديدة تعيد رسم خريطة الطاقة البحرية الأفريقية بين 2022 و2030، من ساحل العاج والسنغال إلى موزمبيق وموريتانيا، مشيرا إلى أن القارة باتت تتنظم حول أربعة أقطاب : شمال أفريقيا، وخليج غينيا، وإفريقيا الجنوبية، وإفريقيا الشرقية، غير أنه نبه إلى توجه راسخ ومقلق، وهو أن تصدير الهيدروكربونات يجري في معظمه بشكل خام، دون القدرة على النزول في سلسلة القيمة عبر التكرير والبتروكيماويات.
وأوضحت ماجدة معروف، المديرة العامة للوكالة الوطنية لتنمية تربية الأحياء البحرية، أن الصيد والاستزراع المائي يمثلان البوابة الأولى التي يدرك من خلالها المواطن الإفريقي الاقتصاد الأزرق. وكشفت أن القارة تخسر أكثر من 10 مليارات دولار سنويا جراء الصيد غير القانوني، فيما يضيع حوالي 30 في المائة من المصيد بسبب ضعف البنية اللوجستية للسلسلة الباردة.
وأكدت المتحدثة أن تأخر القارة في قطاع الاستزراع المائي ليس قدرا جغرافيا بل نتاج عجز في الاستثمار والمعلومات، مستشهدة بالنموذج المغربي المنطلق منذ 2009 بتوجيهات ملكية، والذي بات مرجعا للحكامة القطاعية على مستوى القارة، كما حذرت من الاستعجالية الديموغرافية مع توقع بلوغ 2.5 مليار مستهلك في إفريقيا بحلول 2050.
من جانبها، أكدت سناء العمراني، مديرة الموانئ والملك العام البحري بوزارة التجهيز والماء، أن الميناء هو الوعاء الجامع لكل مكونات الاقتصاد الأزرق، من التجارة واللوجستيك إلى الصيد والسياحة البحرية. وقالت إن رسم الخرائط البحرية الشاملة يجب أن يسبق أي تطوير، لأن التنمية بدون بيانات تنمية عمياء. وحذرت من مخاطر الشراكات مع القطاع الخاص التي قد تُفقد البنى التحتية الموانئية طابعها السيادي، مشيرة إلى أن إفريقيا تشغل جزءا صغيرا جدا في التجارة البحرية العالمية، في حين أن السياق الدولي المضطرب يضعها في موقع مناسب لاقتراح بدائل، شريطة أن تتحرك فعلا.
وأضاف زين العابدين محمد سالم، الخبير في البنك المركزي الموريتاني، أن البحر يبدو اليوم استجابة للتوترات الجيوسياسية الكبرى الراهنة، إذ تلقي النزاعات الجارية بظلالها على فاتورة الطاقة والأمن الغذائي للدول الأفريقية، في حين يقدم الاقتصاد الأزرق حلولا على هذين الصعيدين. وأبرز أن الاتحاد الإفريقي يسعى إلى تحقيق قيمة تبلغ 405 مليار دولار من الاقتصاد الأزرق، مستحضرا نموذج إمراغن ببنك أرغين بموريتانيا حيث يعيش سكان محليون في تناغم مع النظام البيئي البحري منذ قرون عبر ميثاق أجداد مع الدلافين.
الحكامة البحرية الإفريقية.. حتمية التنسيق
في الجلسة المخصصة للحوكمة البحرية بين الأطر الوطنية والإقليمية والقارية، أكد أمادو م. ديوب، الخبير البحري والضابط السابق في البحرية الوطنية السنغالية، أن إفريقيا تمتلك إمكانات بحرية هائلة تتجلى في أكثر من 13 مليون كيلومتر مربع من المناطق الاقتصادية الخالصة وقرابة 90 في المائة من المبادلات التجارية تمر عبر البحر، لكنها مقيدة بتطبيق منقوص للآليات القائمة وتبعية خارجية في التمويل. وأشار إلى أن الممرات البحرية والملاحة الساحلية بين الدول الأفريقية تمثلان رافعتين حقيقيتين للاندماج الاقتصادي لم تستثمرا بعد.
وأبرز خالد لوديي، نقيب السفن الرائد في البحرية الملكية، أن الفضاء الأطلسي الأفريقي الذي يضم 23 دولة يواجه تهديدات متعددة من القرصنة والصيد غير القانوني إلى الإرهاب والجريمة المنظمة. وأكد أن المبادرة الأطلسية الملكية تسعى إلى تعزيز الاندماج الإقليمي وضمان وصول دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، من خلال منظومة أمن بحري دائمة ترتكز على مراقبة الطرق البحرية وتنسيق المعلومات.
وقدمت نسرين يوزي، مديرة تهيئة ميناء الداخلة الأطلسي، المشروع بوصفه ميناء من الجيل الجديد يجسد التموضع الاستراتيجي للمغرب في المحيط الأطلسي، مؤكدة أن التحدي الرئيسي لا يكمن في الرؤية بل في الانتقال إلى التنفيذ الفعلي، إذ يحتل عامل الثقة مكانة محورية في استقطاب المستثمرين الدوليين.
في المقابل، حذر ديفيد ويليما، الباحث الأول في الأمن البحري بمعهد الدراسات الأمنية الإفريقي، من وهم الانتصار على التهديدات البحرية، قائلا إن عودة القرصنة في الصومال تكشف أنها كانت محاصرة فقط لا مقضيا عليها، مشددا على أن تعزيز الحوكمة البحرية يستلزم تحديث الاستراتيجيات لمواجهة تحديات ناشئة كالذكاء الاصطناعي والجرائم الإلكترونية، مع ضمان أن تكون أفريقيا صاحبة سياساتها البحرية.
المحيط العالمي.. إفريقيا أمام خيار استراتيجي
وأبرز نونو دي نورونها براغانسا، الأميرال البحري البرتغالي ومنسق مركز الأطلسي، الأهمية الاستراتيجية المتنامية للفضاء الأطلسي الإفريقي، مشيرا إلى أن الأمن البحري امتد ليشمل البنى التحتية الحيوية تحت الماء، وأن الطاقة والاتصال الرقمي باتا يمثلان نقطتي اختناق محتملتين مستقبلا، مبرزا أن تكوين الأجيال الشابة وتعزيز العلوم البحرية يمثلان أولوية استراتيجية قصوى.
ودعت ستيلا ويليامز، نائبة رئيسة منظمة "موندوس ماريس" النيجيرية، إلى تحول جذري في النظرة إلى الموارد البحرية الإفريقية، مؤكدة أن المحيط ينبغي أن يتم التعامل معه كملك مشترك لا مجرد رصيد اقتصادي. وقالت إن المجتمعات التي عاشت في توافق مع بيئتها تجد نفسها مهمشة رغم الثروات التي تحوزها، مطالبة، في هذا السياق، بوضع الصيد الحرفي الصغير في صميم أي اقتصاد أزرق يدعي الاستدامة.
وأبرز توفيق الكثيري، السكرتير التنفيدي للمؤتمر الوزاري للتعاون في الصيد البحري بين الدول الإفريقية المطلة على المحيط الأطلسي، التي تضم 22 دولة إفريقية، أن تحسين البيانات المتعلقة بالموارد السمكية يحتل مكانة محورية في أجندة المنظمة، مشيرا إلى أن المبادرات القائمة على المقاربة النظامية للأنظمة البيئية أتاحت تقييمات أكثر موثوقية للكتلة الإحيائية، مما يمكن من توجيه الاتفاقيات المستقبلية على أسس علمية سليمة.
كما أثار إيلو أداني، السفير والمستشار لدى رئيس جمهورية النيجر المكلف بالقضايا الاستراتيجية والدبلوماسية البعد الحيوي لدول الساحل غير الساحلية في معادلة الاقتصاد الأزرق الأفريقي، وهو بعد كثيرا ما يغفله النقاش القاري.
©️ Copyright Pulse Media. Tous droits réservés.
Reproduction et diffusions interdites (photocopies, intranet, web, messageries, newsletters, outils de veille) sans autorisation écrite.

@ChaimaaZoui