بالعربية
مختارات لوديسك بالعربية

Connectez-vous

Mot de passe oublié ?

Abonnez-vous !

Découvrez l'offre de lancement du Desk

60 DH
1 mois
Découvrir les offres
01.07.2019 à 12 H 20 • Mis à jour le 01.07.2019 à 12 H 22
Par

ردا على رشيد ايلال: وجود الخليفتين بين التاريخ والأركيولوجيا، وبين التدليس والجهل والمعرفة

الصورة لنقش زهير المذكور في المقال والذي يعد أقدم نقش


خرج رشيد أيلال صاحب كتاب “صحيح البخاري : نهاية أسطورة”  بتصريحات وبمقال عنونه ب “التاريخ المادي يجهل الخليفتين أبا بكر وعمر”  حيث شكك في وجود الخليفتين أبي بكر وعمر، ولابد هنا أن نسجل أن الكاتب تراجع عن صيغة الجزم التي كان قد تكلم بها في مناسبات سابقة، كما من الضروري ان نسجل أننا لسنا ضد فتح نقاش معرفي رصين، يسهم في تسليط الضوء على المناطق المعتمة من التاريخ الإسلامي. بعيدا عن كل تغليط أو تزييف يسيء للمعرفة التاريخية.


إن ما ذكره رشيد ايلال غير مؤسس معرفيا ولا منهجيا، وفي ردنا هذا سننطلق من المستوى المعرفي ونعني به المعطيات التاريخية، لنصل للمستوى المنهجي، متتبعين ما كتبه ايلال، حذو النعل بالنعل كما يقال.


أبو بكر وعمر من حيث الوثائق المادية


جزم أيلال في مقاله بغياب الوثائق المادية وبغض النظر عن مفهوم الوثيقة المادية، والذي سنتناوله فيما بعد، وطلب ولو وثيقة يتيمة،  لكن الكاتب تجاهل عددا من الدراسات والأبحاث التي تكلمت في الموضوع، من ذلك مثلا ما أشار له الباحث لامبرت فريديريك في الصفحة 63 من دراسته “الخلفاء، الشعراء والأمراء في الكتابات الأولى للإسلام”  المنشورة ضمن كتاب جماعي أصدرته جامعة بوخارست ضم عددا من الباحثين والأثريين والمؤرخين واللسانيين، والصادر سنة 2015 إلى وجود عدد من النقوش والكتابات التي ذكرت اسمي الخلفيتين أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب.


وهنا سنورد بعضا من هذه النقوش والوثائق التي ورد فيها ذكر عمر بن الخطاب :


–         نقش عثر عليه بجبل سلع، كتب بالخط الحجازي وورد فيه : ”  حكيم و يومن بال عمر ابن ال بكر انا عمارة ابن حزم انا ميمون.. انا محمد بن عبد الله انا مـ…  بن عوسجة انا خلف انا سليمان الاصغر (الاحمر؟) انا.. انا سهل ابن.. انا معقل الجهيني يا الله انا.. انا سعد بن معذ … .ابنء … .انا … …  انا على بن ابو طلب مـ محمد يقبل الله عمر الله يفعل عمر بالمغفرة المومنون الحقى بالصلحين يجعل الله عمر من اهل الجنة و ابوبكر بعمل المومنين “ .


ورد الحديث عن هذا النقش عند كل من حميد الله في ”  Some Arabic Inscriptions Of Medinah Of The Early Years Of Hijrah” , Islamic Culture, 1939, Volume XIII, p. 438″ ، والصفدي في كتابه “Islamic Calligraphy” ، ومايلز في ”  Early Islamic Inscriptions Near Ta’if In The Hijaz” , Journal Of Near Eastern Studies, 1948, Volume VII ” 


–         نقش عثر عليه بجبل سلع وورد فيه : ”  أمسى وأصبح عمر وأبو بكر يتودعان (أي يتوبان ويتضرعان) إلى الله “ .


أورد هذا النقش الباحث حميد الله في كتابه ”  Some Arabic Inscriptions Of Medinah Of The Early Years Of Hijrah” , Islamic Culture, 1939, Volume XIII” 


–         نقش ذكر فيه اسم عمر بن الخطاب، عثر عليه في منطقة نجران بالسعودية، تم اكتشافه سنة 2012م من طرف مجموعة فرنسية سعودية.


جاء الحديث عن هذا النقش عند المؤرخ والآثري امبرت في دراسته المعنونة ب : ”  Graffiti Arabes De Cnide Et De Kos : Premières Traces pigraphiques De La Conquête Musulmane En Mer gée” 


–         النقش المعروف بنقش زهير، والمؤرخ بسنة 24 هجرية/644 ميلادية، وقد عثر عليه قرب مدائن صالح مكتوبا فيه، ”  بسم الله أنا زهير كتبت زمن وفاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة أربع وعشرين .. أنا زهير مولى ابنت شيبة “ .


ورد الحديث عن هذا النقش عند مجموعة من الباحثين والأركيولوجين والإيبيغرافيين، خاصة حميد الله ولامبرت ومايلز والغبان، وإذا كان الأستاذ روبيرت كير قد شكك في هذا النقش مستندا على نوعية الخط، فإن هذا التشكيك مردود عليه أولا لطبيعة العلاقة التي تربط روبيرت كير بمركز إنارة والذي يصفه الكثيرون بأنه غير موضوعي في دراساته، ومن ناحية أخرى، لان تشكيك روبيرت كير لم يعتمد على التأريخ ولكن المقارنة، في حين توجد نقوش قديمة تحتوي على نفس الميزات الخطية، كما أن عددا من الباحثين أكدوا على صحة النقش، وهو جدال لن يحسمه إلا التأريخ الدقيق.


–         الرسائل المتبادلة بين عمر بن الخطاب ويزدرجرد الثالث وهي محفوظة بمتحف لندن.

يمكن الوصول لها من خلال الرابط التالي : http://www.persepolis.nu/timeline-letters.htm


إضافة لهذا فقد استدل رشيد أيلال بالمؤرخ الأرمني سيبوس الذي عاش في القرن السابع الميلادي في بلاد أرمينيا، والذي تعد كتاباته أقدم مصدر أرخ للاحداث التي عرفتها تلك الفترة. وقد زعم رشيد أيلال أن هذا المؤرخ ذكر أن النبي محمد هو من دخل لإيلياء وليس عمر بن الخطاب، ولكن بالعودة إلى النسختين الإنجليزية والفرنسية من كتاب تاريخ هرقل للمؤرخ الأرمني سيبوس، نجد اشارتين مهمتين، إذ ورد في الفصل الثلاثين في الصفحة 96 (النسخة الفرنسية)، رسالة من ملك المسلمين -الذي سنعرف فيما بعد أنه عمر- إلى امبراطور الروم تطالبه بالرحيل عن بلاد الشام، وإلا اجتاح العرب بلاد الروم، لكن الامبراطور البيزنطي أجاب “هذه الأراضي ملك لنا، أما أراضيكم فهي في شبه جزيرة العرب، عودوا الى بلادكم” 


وفي الصفحة 101 من نفس الكتاب نجد ما يلي : “عندما توجه بنو إسماعيل من صحراء سيناء إلى الشرق، لم يكن ملكهم عمر معهم. لكن بعدما أحرزوه من انتصارات، وتدميرهم لكلتا الامبراطوريتين، استولى على البلاد من مصر إلى برج الثور العظيم… ” .


إضافة لذلك فقد ذكره المؤرخ ثيفانوس في كتابه الذي ترجمه هاري تيرتلوف سنة 1982، مرات متعددة كملك على عرب شبه الجزيرة العربية. وإذا كان ايلال قد استشهد بوثيقة للمؤرخ والباحث فريد دونر، علما أن هذا الباحث في أغلب مؤلفاته خاصة في كتابه ”  The Early Islamic Conquests” ، اعتبر عمر خليفة بارزا ومؤسسا في التاريخ الإسلامي.


أبو بكر الصديق : ارتباك المصادر أم ارتباك أيلال


زعم الكاتب أيلال أنه سيقوم ب”تفنيد شخصية أبي بكر تاريخيا” ، وقد بنى فرضيته على أساس أنه لا يوجد نسب واحد موحد لأبي بكر الصديق، وأخذ يورد المعطيات ليخلص في النهاية إلى أن “مصادر التراثيين تنسف حقيقة الخليفة الأول للمسلمين” . وقد وقع أيلال هنا في خلط كبير.


انطلق ايلال من “الخلاف”  حول اسم الجد هل عمرو أم عامر ليقوم بنوع من “الخلط”  في الاسم، هكذا يستدل بسيرة ابن هشام : “قال ابن إسحاق : ثم أسلم أبو بكر بن أبي قحافة، واسمه عتيق، واسم أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر . قال ابن هشام : واسم أبي بكر : عبد الله ، وعتيق : لقب لحسن وجهه وعتقه


ثم يورد رشيد ايلال ما نصه : “وكما يذكر الطبري .. أن أحد أسماء أبو بكر “هو عبد الرحمن بن عثمان”  وعبد الرحمن بن عثمان كما قال البلاذري هو ابن شارب الذهب، وهذا ما يؤكد ما قاله الطبري ان أبو بكر هو عبد الرحمن بن عثمان” 


لكن وبمراجعتنا لتاريخ الطبري، لم نجد ما ذكره الكاتب، ففي باب “ذكر نسب أبي بكر واسمه وما كان يعرف به” ، نجد روايات ثلاثة تناولت اثنان منها سبب تسميته عتيق، واما الأخرى فقد جاء فيها “ …  قال : فأبو بكر عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك…  وقال الواقدي : اسمه عبد الله بن أبي قحافة واسمه عثمان بن عامر، …  وأما هشام فإنه قال : فيما حدثت عنه : إن اسم أبي بكر : عتيق بن عثمان بن عامر ” 


ولسنا ندري مصدر قول رشيد ايلال ان الطبري جعل أحد أسماء أبو بكر عبد الرحمن بن عثمان؟ لقد بنى ايلال سرديته كاملة على الانطلاق من أن الطبري جعل أبو بكر هو عبد الرحمن بن عثمان، وهو ما لم نستدل عليه في تاريخ الطبري.


يتجاوز التغليط الطبري ليكرر نفس الامر مع البلاذري فنجده يقول : “ومن أنساب الأشراف للبلاذري : عثمان بْن (عَمْرِو) بْنِ كعب بْن سَعْد ابْن مرة، ويقال لعثمان : شارب الذهب، وذاك أنه دق لؤلؤات فشربهن، ويقال : بل كَانَ يبذل الدنانير فِي الخمر فقيل إنما يشرب الخمر بالذهب، وقيل كَانَ سخيا فقيل هُوَ يشرب الذهب شربا لكثرة نفقته. اما اولاد عُثْمَان ( والد ابو بكر الصديق ) .. فهم : معمر بْن عُثْمَان .. وعمرو بْن عُثْمَان .. وعمير بْن عُثْمَان .. وزهرة بْن عُثْمَان .. و{{ عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عُثْمَان }}

وَكَانَ يقال لَهُ : ابْن شارب الذهب، وَهُوَ الَّذِي قَالَ : دخلنا مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عمرة القضية فسلك فيما بين الصخرتين اللتين فِي المروة مصعدا فِيهَا.” 


بعودتنا إلى كتاب أنساب الأشراف للبلاذري، وجدناه يذكر بخصوص نسب أبو بكر أنه “أبو بكر بن أبي قحافة واسمه عبد الله ولقبه عتيق، لقب بذلك لرقة حسنه. واسم أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن مرة” . فالبلاذري إذا يجعل والد أبو بكر هو عثمان بن عامر وليس عثمان بن عمرو. ولكن أيلال تجاهل هذه الحقيقة وذهب ليبحث في سيرة عثمان بن عمرو، ويجعل منه والدا لأبو بكر رغم أن البلاذري في ترجمته لعثمان بن عمرو لم يشر لأبو بكر لا من قريب ولا من بعيد، ولكن الأمر يرتبط بصحابي آخر.


ولو راجع الكاتب كتبا أخرى لوجد أن أغلبها يتفق على أن عامر هو جد أبي بكر فقد أورد ابن الاثير في كتابه “أسد الغابة في معرفة الصحابة”  عن نسب أبي بكر في باب العين والباء ما يلي : “عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي،”  كما عاد ليذكره في كتاب الكنى وقد أكد نفس الاسم له.


وأورد ابن سعد في كتاب الطبقات الكبرى عن نسب أبو بكر الصديق ما يلي : “عبد الله بن أبي قحافة، واسمه عثمان بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة” 


نقف هنا على حقيقة أن أغلب المصادر اتفقت على نسب أبو بكر، وحتى إن سجلت بعض الاختلافات الطفيفة، فإنه كان على ايلال البحث عن ترجمتها داخل الكتب الموردة لها، لكن ايلال كان يبحث عن ترجمة عثمان بن عمرو (على أساس انه أبو بكر)، في كتاب أورد أن والد أبو بكر اسمه عثمان بن عامر. هذا الخطأ جعل رشيد ايلال يتوهم وجود تضارب في اسم أبي بكر الصديق، ويخلط بين اسمين ويبحث في كل كتاب عن اسم اخر، وبالتالي فكان هنا المنزلق حيث تجاهل حقيقة أن لكل مؤلف منهجه وأسلوبه ورواته، وأن المقارنات لا تستقى اعتباطا بل لها منهجها وأسلوبها، وهو ما لم ينتبه له أيلال.


وبعد أن فندنا ادعاء الكاتب بعدم وجود “معطيات تاريخية”  ننتقل للمستوى المنهجي والمفاهيمي للوقوف عند ما اعترى هذا المقال من مكامن نقص.


تطور معرفي أو حطب ليل؟


كان من بين الأدلة التي اعتمد عليها رشيد أيلال في كتابه حول البخاري الاستناد إلى موقف أبو بكر وعمر بن الخطاب في موقفهما القاضي بمنع تدوين الحديث، قبل أن يخرج في تصريح ينفي وجودهما ثم يتراجع ليتحدث عن غياب وثائق تؤكد هذا الوجود، فهل يتعلق الأمر بتطور معرفي، قاده إليه البحث العلمي الرصين والمتجرد؟ أم مجرد حطب ليل؟ لسنا من محاكمي النوايا لكن أعتقد أن الامر يستحق جوابا من طرف الكاتب حتى يزول اللبس والغموض


التاريخ المادي : أول القصيدة كفر


عنون رشيد ايلال مقاله ب”التاريخ المادي يجهل الخليفتين أبا بكر وعمر” ، وهذا العنوان يطرح أكثر من إشكال، فما معنى التاريخ المادي؟ هل هناك تاريخ مادي وتاريخ لامادي؟ وما هو شكل هذا التاريخ اللامادي؟ وبالتالي ما هو هذا التاريخ الذي ينقسم إلى مادي ولامادي؟.


يبدو للقاريء أن الكاتب قد سقط في لبس كبير بين التاريخ والوثيقة، فالأول سيرورة الانسان وتفاعله مع مجاله أو مجالاته، الذي ينتج أثرا (وثيقة) فيه المادي واللامادي، وبالتالي فكان الأولى بالكاتب أن يحدثنا عن الوثيقة لا التاريخ.


هذا اللبس سينعكس على المقال ككل، فحتى عندما تناول الوثيقة نجده يتحدث عن “الوثيقة التاريخية الملموسة” ، دون أن يوضح هذا المفهوم، فإذا ما نحن حددنا الوثيقة في أبسط تعريفاتها نجدها أنها هي مصدر كل خبر، سواء كانت ايبغرافية (أي نقشا او كتابة على سطح صلب) او باليوغرافي (أي كتابة على ورق).


وإذا كانت المدرسة الوضعية التي تنتمي للقرن التاسع عشر قد تعاملت مع الوثيقة المكتوبة أو الأثر باعتبارهما مصدر المعرفة التاريخية، فإن هذا المفهوم قد عرف تحولات عميقة مع قدوم مدرسة الحوليات وتعدد وتنوع المدارس التاريخية، حتى غدا المفهوم التقليدي للوثيقة الذي يحصرها في الأثر المكتوب متجاوزا، حيث أصبحت الذاكرة والأسطورة والممارسات الاثنوغرافية والتمثلات تعتبر وثائقا، وبهذا يصبح الحديث عن وثائق ملموسة اما جاهلا بما عرفته الكتابة التاريخية من تحولات، او إصرارا على التمسك بتلابيب المدرسة الوضعانية التي جرى تجاوزها بأكثر من قرن من الزمان.


وبالتالي فإن الضبابية التي أحاطت بالمفاهيم المؤطرة للمقال (التاريخ، الوثيقة، المادي) أسقطته في لبس أثر على نسق مقاله ككل، والذي يبدو جليا من خلال “نقده للروايات الإسلامية حول أبي بكر”  قبل أن يرفضها في عمر ويتحدث عن الوثيقة بمفهومه الايبيغرافي.

 

أزمة كتابة التاريخ بين الإسلامي والاجنبي


أشار ايلال إلى غياب التأريخ في الفترات المبكرة للإسلام، كما سبق له أن أشار غياب ذكر أبي بكر وعمر في المصادر الأجنبية، وهنا لابد أن ننبه إلى انه عدا على ان إشكالية التأريخ كانت ملازمة لكل الحضارات، ولأن أغلب الشخصيات المعروفة (عيسى، موسى، بوذا…الخ) لم تتوفر كتابات معاصرة لهم، إلا نادرا. فإن الفترة التأسيسية للإسلام تعرف مناطق ظل كثيرة، ساهم فيها عاملان رئيسيان :


العامل الأول : أن الثقافة الإسلامية في بدايتها كانت ثقافة شفوية، إذ لم يكن الفقهاء يحبون الاخذ من الكتب دون إجازة من الشيوخ، بل كانوا يفضلون طريقة التلقي والسماع، وقد عرف عنهم قولهم “لا نأخذ العلم من صحفي ولا مصحفي”  أي من يأخذ العلم والرواية من المكتوب دون السماع عن الشيوخ. كما عرف عن الإمام الأوزاعي (88هـ –  157 هـ)  قوله : “كان هذا العلم شيئا شريفا إذ كان من أفواه الرجال يتلاقونه ويتذاكرونه فلما صار في الكتب ذهب نوره وصار إلى غير أهله” .


أما العامل الثاني فهو أن الشعوب المجاورة، رغم توفرها على تقليد في الكتابة التاريخية إلا أن تلك الفترة الانتقالية كانت خاصة، فنجد أن البيزنطيين قد توقفت عندهم الكتابة التاريخية بين القرنين السابع الميلادي والتاسع الميلادي، إذ لم يعرف عصر الامبراطور هرقل (610-641) ظهور مؤرخين كثر، إذ يعتبر ثيوفلاكت من المؤرخين القلائل وقد اختص في كتابة تاريخ الامبراطور موريس (582-602) والذي تناول فيه الحرب البيزنطية في البلقان ضد السلاف والآفار، والحرب البيزنطية في الشرق ضد الفرس. ومن ثم توقفت الكتابة التاريخية لما يقرب قرنين من الزمان أي الى حدود القرن التاسع الميلادي وهي نفس الفترة التي ستشهد انطلاق الكتابة التاريخية في العالم الإسلامي. وقد كان التوقف البيزنطي أساسا بسبب الصدام مع القوة الجديدة الصاعدة (الاسماعيليون او المسلمون).


أما الوثائق الأرمنية فيظل أقرب مصدر للفترة ذاتها، هو كتاب تاريخ هرقل للمؤرخ الأرمني سيبوس، وقد أوردنا ما ذكره حول عمر بن الخطاب. كما أن هناك مئات الوثائق الفارسية تحتاج بدورها إلى دراسة، وتحتاج من يميط اللثام عنها، وبالتالي يصبح الجزم بانعدام الوثائق غير مؤسس معرفيا.


ملاحظة منهجية أخرى، وهي أن رشيد ايلال دون ان يدري تبنى رأي توجه استشراقي يرفض الروايات الإسلامية بالمطلق ويعتبرها مجرد سردية عباسية -وهو إن كان رأي فيه بعض الحصافة إلا أنه لا يخلو من تحامل- فإن أيلال يعود ليستشهد بفرد دونر الشي سبق له أن اعتبر ان هذا الاتجاه الاستشراقي يمثل فوضى معرفية.


خلاصة القول : قد نوافق الكاتب على أن شخصية الخليفتين عرفت التضخيم والاضافات بسبب الصراع الأيديولوجي بين السنة والشيعة، وان التاريخ الإسلامي يعرف مناطق ظل كثيرة لابد من الكشف عنها، لكن هذا لن يتم الا بالبحث المعرفي الرصين البعيد عن الشعبويات وثقافة الفاست-فود المعرفية، وثقافة النسخ واللصق دون رؤية ولا منهاج. إن إعادة تشكيل الوعي التاريخي لهذه المجتمعات وإعادة قراءة التاريخ قراءة أخرى عمل يتجاوز البوز.