بني ملال ووادي الديناصورات، أرض العمالقة
الشلال الساحر لأوزود، معجزة طبيعية تتلألأ في قلب الأطلس الكبير. تصوير: أسامة غالب / لوديسك
"من مجرى وادي أم الربيع إلى سفح الجبل، لا ترى سوى سهل فسيح، مستو كمرآة، لا تموج فيه ولا صخرة؛ الأرض تربة بنية اللون، تغطيها الحقول من أقصاها إلى أقصاها، وتمتد إلى ما لا نهاية؛ جداول بمياه صافية جارية، وسواقي لا تحصى". بعد ما يقرب من قرن ونصف من الزمن، لا تزال هذه الصورة لمنطقة بني ملال التي سجلها المستكشف الفرنسي شارل دو فوكو تعكس الواقع.
فذاك الرجل الذي جاب الإمبراطورية الشريفة عام 1883، متخفيا في هيئة حاج يهودي، توقف في بني ملال التي كانت تُعرف حينها بـ"قصبة بلكوش"، وهي بلدة صغيرة يبلغ عدد سكانها نحو 3000 نسمة، من بينهم 300 يهودي. وعلى الرغم من أن المدينة شهدت نموا ملحوظا منذ ذلك الحين، حيث أصبح عدد سكانها يتجاوز نصف مليون نسمة، فإن طابعها الطبيعي ما زال يحتفظ بجماله الفردوسي. ومن المرجح أن دو فوكو رسم هذا المشهد من أعالي عين أسردون، بجوار نبع غزير يغمر بخيراته المنطقة وجزءا كبيرا من المملكة. وقد أصبح هذا الموقع اليوم حديقة غنَّاء، تشكل منصة تطل على أولى المرتفعات الساحرة للأطلس المتوسط.
وللعبور نحو أولى ممرات الأطلس الكبير، ما هي إلا خطوة واحدة. خطوة عملاق منقوشة في الصخر، شاهدة على مرور كائنات استثنائية منذ أكثر من 66 مليون سنة. في قلب المنتزه الجيولوجي مگون، يتربع متحف تفاعلي مذهل، يعد جوهرة مدينة أزيلال الساحرة، ويحمل على عاتقه مهمة نبيلة : رواية قصة الديناصورات التي ازدهرت يوما في هذه المنطقة من البلاد.
من حدائق عين أسردون، تنبسط بني ملال وسهل تادلة بلا حدود، كما لو أن الأرض تفتح صدرها للريح والعين. تصوير: أسامة غالب / لوديسك لكن الحديث لا يقتصر على ملاحقة عمالقة العصر الجوراسي في هذا المتنزه الطبيعي، الذي يعد كنزا لا يقدر بثمن من التراث الجيولوجي. فهنا توجد بحيرات فردوسية، وشلالات مدهشة، وجروف صخرية شاهقة، كلها روائع نحتتها الطبيعة الأم، وتفتح أمام الزائر دروبا لمغامرات لا تنسى. رحلة تخاطب الحواس وتنتهي في المدينة العريقة دمنات، المتربعة على علو يقارب ألف متر فوق سطح البحر. الطبيعة الخلابة والثقافة العريقة تلتقيان في مسار استثنائي لا مثيل له.
عين السعادة
جنوب بني ملال، يلوح أمامك جدار طبيعي شاهق. لكنه لا يمثل عائقا، بل هو دعوة لاكتشاف طريق رائع يتلوى بين أولى المنحدرات. وسط بساتين خضراء وارفة، يبدو هذا الطريق وكأنه يعدك برحلة لا تنسى. وبعد دقائق قليلة، تشير لافتة إلى موقف واسع للسيارات : "موقف عين أسردون". ومن هناك، يتوافد رجال ونساء وأطفال بسعادة نحو مدخل حديقة فريدة من نوعها.
يُرافق المسير جداريات مدهشة، من بينها لوحة تظهر جسد رجل مستلق على ظهره، يلفه جلباب بلون ترابي، وتخرج من تحت قبعته باقة زهور متعددة الألوان بدل وجهه. يشير بإصبعه نحو السماء، وكأنه يلتقط قطرة ماء. وهذا الماء هو جوهر هذا المكان المبارك.
وكما يشير اسمه، فإن عين أسردون هي أولا وقبل كل شيء نبع، لكنه نبع فريد من نوعه. من أعماق السفوح الأولى للأطلس المتوسط، تنبع مياه صافية بغزارة، تسير عبر قنوات وملتقيات مائية لتصل في النهاية إلى وادي أم الربيع، ثاني أطول نهر في المغرب. هذا النهر، الذي يعكس اسمه الشعري "أم الربيع" طبيعته الخصبة والواهبة، ينبع على بعد أكثر من 100 كيلومتر إلى الغرب، تحت جبل حيان بإقليم خنيفرة. لكنه يكتسب قوته ويغتني عند مروره ببني ملال، ليواصل مساره نحو المحيط الأطلسي، حيث يُلقي بنفسه تحت أسوار مدينة أزمور.
هذا المسار الممتد على طول 550 كيلومترا هو السبب الرئيسي في خصوبة سهل تادلة. إنها رقعة خضراء شاسعة يمكنك، كما فعل دو فوكو من قبل، تأملها من دون عائق من أعالي عين أسردون، التي تم تصنيفها تراثا وطنيا منذ عام 1947. في المقدمة، تبدو مدينة بني ملال بلونها المغبر وكأنها موضوعة بعناية فوق امتداد خصب وأخضر. هذا المشهد البانورامي، الذي يحظى بتقدير كبير من السكان والزوار، يجسد كل وعود منطقة في طور الازدهار، ومدينة أصبحت عاصمتها.
مدخل منتزه عين أسردون، فخر مُستحق لسكان المنطقة، يتم عبر درج يقود إلى فضاء أول يبدو أشبه بجنة أرضية. على اليمين، يمتد ممر رائع بألوان خضراء متعددة، تحدّه أشجار مصطفة بتنظيم دقيق. في المقابل، تنتصب بناية ساحرة مكسوة بالخشب، بما ينسجم مع جمالية المكان الذي تفرض فيه الطبيعة قوانينها.
نحن هنا أمام مركز التعريف بالتراث الثقافي لجهة بني ملال-خنيفرة، مؤسسة تابعة لوزارة الشباب والثقافة والتواصل. يضم المتحف المعروض داخله بعضا من الثروات الثقافية العديدة للمنطقة، من أزياء تقليدية ومقتطفات من الفنون الشعرية والموسيقية، إلى تجليات ارتباط المنطقة بفن الفروسية، فضلا عن عرض شامل للمهارات المحلية في فن النسيج.
إنها بمثابة بطاقة تعريف موجزة، مفيدة لاكتشافها قبل التوغل في حديقة منظمة على شكل مدرجات، تتبع المسار الطبيعي للمياه المتدفقة. في نهاية الممر على هذا المستوى الأول، حيث يتجمع الزوار، ينهمر شلال بعلو ثلاثة أمتار عبر قناة مخصصة، تحيط بها سلالم من الجانبين تعلوها مزهريتان كبيرتان مزخرفتان.
عند صعود هذه الدرجات، تصل إلى منبع العين، التجويف الصخري الذي تنبع منه المياه من أعماق الجبل، لتخرج إلى الهواء الطلق وتنحدر متبعة ميول الأرض. منتزه عين أسردون يقترح عليك تتبع هذا المسار المائي، الذي يشكل الخلفية الصوتية السائدة في المكان : صاخبة حين تسقط المياه من علو شاهق، وهادئة حين تنساب برقة عبر القنوات التي تجوب هذا الفضاء الواسع الممتد على نحو 20 هكتارا.
أسفل المنتزه، مشهد ساحر آخر يخطف الأنظار : حوض مائي واسع تتوسطه منحوتة ذات أشكال هندسية. ثلاثة مكعبات ضخمة، بلون أسود قاتم، تطفو في وسط مستطيل مائي، وتنبعث منها المياه من فتحات صغيرة على الجوانب العليا. وفي كل مكان، تنتشر برك بأحجام مختلفة، وجسور خشبية، ومساحات مجهزة للنزهات، ومقاعد أنيقة، تضفي على المكان طابعا عائليا مرحّبا، يستقطب الزوار الهاربين من ضغوط الحياة الحضرية. وإن كنت من محبي السحر الليلي، فلا تفوت زيارة المكان بعد غروب الشمس : ستستمتع بعرض ضوئي مدهش، تتلون فيه المياه المتدفقة عبر ممرات الحديقة بألوان خلابة، بفضل نظام إضاءة ذكي.
القصر، أثر باقٍ من أرض سادت فيها السلطة
نبع عين أسردون، الذي يتخذ شكل مسرح طبيعي لهذا التنسيق البستاني البديع، لم يكن يوما مجرد مورد مائي، بل كان موضوع نزاع حاد في الماضي القريب. ومن المرجح أنك لاحظت خلال جولتك أن فوق الموقع، وعلى منحدر جبلي يعلو بنحو مئة متر، تنتصب قلعة ذات أربع أبراج متناظرة، تراقب المكان من عليائها. عند مدخل الحديقة، توجد لافتة تشير إلى الطريق المؤدي إليها. وبعد صعود يدوم بضع دقائق، أحيانا على منحدرات حادة، يجد الزائر نفسه أمام هذا البناء التاريخي. مبنى تم ترميمه بالكامل، وتزينه جدران ترابية اللون وبوابة من الحديد الأسود اللامع. المكان الذي يجذب زوارا فضوليين وشجعانا في آن، يُستخدم اليوم كفضاء للمعارض الفنية المؤقتة، ويتيح لفناني بني ملال فرصة للظهور والتعبير. كما يعدّ نقطة مثالية للاستمتاع بأروع إطلالة بانورامية على المنطقة. ومما لا شك فيه أن اختيار هذا الموقع لم يكن وليد الصدفة.
ولفهم أعمق لطبيعة هذا الموقع، استعنا بخبرة الباحث والكاتب الصحفي جمال مايس، الذي غالبا ما يتناول التراث المحلي في مقالاته. ينبهنا جمال بداية إلى أن "قصبة عين أسردون كثيرا ما تتعرض لسوء فهم من حيث طبيعتها وهويتها". أولى هذه الالتباسات تتعلق بتسميتها، حسب قوله. "فهي ليست، كما يظن البعض، قصبة بلكوش، التي تعد النواة الأصلية لمدينة بني ملال، وتقع في قلب المدينة"، يوضح مايس.
أما بخصوص تاريخ بنائها، فالصورة أوضح. "يرجح أن هذا الحصن بني في أواخر القرن التاسع عشر، على الأرجح في بدايات تسعينياته. والدليل على ذلك أن شارل دو فوكو، الذي زار المنطقة قبل سنوات قليلة من هذا التاريخ، لم يذكره ضمن وصفه التفصيلي للمكان"، يشرح الباحث.
وبفضل موقعه الاستراتيجي المشرف على الوادي، يبدو أن الهدف من بناء هذا القصبة كان تأمين مراقبة مثالية للمنطقة. غير أن جمال مايس يضيف بُعدا آخر : "لقد شُيد الحصن أيضا كوسيلة دفاعية. فحسب روايات أجدادنا، كانت هناك أنباء عن هجوم وشيك تخطط له قبائل منافسة، سعيا للسيطرة على النبع، وربما لتحويل مجرى المياه لصالحها". وهو ما دفع سكان المنطقة إلى تشييد هذا الحصن في عجالة، مستخدمين الحجارة والتربة المستخرجة من موقع منخفض مجاور، "لا يزال يُعرف بيننا إلى اليوم باسم 'الحفرة'"، يضيف مايس. كما يشير إلى أن مشروعا لبناء حصن ثان مشابه كان قد انطلق بالفعل، "لكن الأعمال توقفت عندما هدأت التوترات بين الأطراف المتنازعة".
يعتبر قصر عين أسردون اليوم من المعالم المهيبة في إقليم بني ملال، وقد وُلد من رحم الأطماع التي طالما أثارتها هذه الجهة الواقعة على تخوم سهل تادلة ومنحدرات الأطلس الأولى. إنها أرض مباركة، لم تفتأ تُغري القادمين، وتجذب إليها شخصيات صنعت، بمرور الزمن، مجدها وسمعتها. يؤكد لنا جمال مايس أن "بني ملال ومحيطها القريب اشتهرتا باحتضان العديد من الزوايا وأضرحة الأولياء، سواء من المسلمين مثل سيدي أحمد بلقاسم، سيدي عبد الحليم، وسيدي بو يعقوب، أو من اليهود، مثل الحاخام شلومو عمار"، الذي ما يزال مزارا سنويا يحج إليه الزوار.
وهذه الشهية تجاه المكان لم تقتصر على أهل الصلاح والدين، بل نالت كذلك اهتمام أهل الحكم وأرباب السلطة، أو على الأقل أولئك السلاطين الأقوياء الذين امتلكوا وحدهم القدرة على إخضاع منطقة عُرفت بعصيانها التقليدي للسلطة المركزية. من بين هؤلاء، السلطان الباني مولاي إسماعيل (1672-1727)، الذي لم يترك مدينة في المملكة إلا وخلّد فيها أثرا، وكان لبني ملال ونواحيها نصيب وافر من هذا الإرث.
قصر عين أسردون، شُيد للدفاع في أواخر القرن التاسع عشر، ثم صار ملاذا للثقافة وفضاء للذاكرة. تصوير: أسامة غالب / لوديسك أعظم التحصينات الإسماعيلية تقع على بعد ثلاثين كيلومترا شمال بني ملال، ويربطها بها طريق سريع. تأسست سنة 1687 على يد السلطان العلوي، وتحمل اسم "قصبة تادلة"، وهي النواة الحضرية للمدينة التي يزيد عدد سكانها اليوم عن خمسين ألف نسمة وتحمل نفس الاسم. هناك، يمكن للزائر أن يُبصر الجسر الفريد، تحفة هندسية تمتد فوق مياه أم الربيع الهائجة، مستندا إلى عشر قناطر، ويفتح الطريق نحو الحصن العسكري العائد إلى أواخر القرن السابع عشر. أما الأسوار الشاهقة، فلا تزال إلى اليوم تشهد على المكانة العسكرية والسياسية لهذه القلعة، التي مكّنت مولاي إسماعيل من بسط سلطته على جل سهل تادلة. لكن السلطان لم يتوقف عند هذا الحد، إذ تلتها تحصينات أخرى، نُسجت على منوالها، حتى غدت المنطقة كلوحة محصنة، لا يكاد يخلو فيها موضع من أثر أو برج أو سور.
المياه المباركة
من بين هذه المعالم، نذكر قصبة فشتالة، الواقعة على بعد 13 كيلومترا شمال شرق بني ملال، مباشرة بعد قرية فم العنصر الصغيرة. بإمكان عشاق التاريخ تأمل أطلالها، التي تشهد بدورها على الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة بالنسبة لمختلف السلطات المتعاقبة. يوضح جمال مايس قائلا : "إن تحصين فشتالة يعود في الواقع إلى العصور الوسطى، قبل أن يعاد بناؤه تقريبا في عهد المولى إسماعيل".
ورغم كونها غير معروفة على نطاق واسع، فقد كانت هذه القصبة موضوع وصف شعري من طرف شارل دو فوكو، الذي كتب : "تقع فشتالة على السفوح الأولى للجبل، وسط منحدرات مظللة بأشجار اللوز، عند أقدام صخور ضخمة، حيث تنساب الجداول الوفيرة قافزة في شلالات، مرسومة كخيوط من فضة، وسط حدائق رائعة تقارن بحدائق تازة وصفرو." وكما في أغلب وصف هذا الرحالة، نجد إشارات إلى وفرة العيون والمنابع، وهي مورد ثمين للغاية في المملكة. والمنطقة بالفعل غنية بهذه العيون، المتدفقة والمنعشة، التي تشكل رموزا للحياة والطهارة، وغالبا ما احتضنت مقرات للزوايا الصوفية، إلى جانب أضرحة الأولياء الصالحين.
وبعد اكتشاف ثراء وجمال هذه المنطقة الواقعة بين السهل والجبل، آن الأوان للارتقاء نحو الأعالي. فهواة المشي في الطبيعة سيجدون ضالّتهم انطلاقا من السفح الجنوبي لتضاريس عين أسردون، حيث ينتظرهم واد تُطل عليه قمة تاصميت الشامخة. هذا الجبل العملاق الذي يتجاوز ارتفاعه 2250 مترا، يتغطى غالبا بالثلوج في الشتاء، ويتزين بالخضرة في الربيع، ويوفر عدة مسارات مشي يُمكن استكشافها برفقة مرشدين محليين.
ولمزيد من الاكتشاف، يُنصح بالخروج من بني ملال غربًا عبر الطريق الوطنية رقم 8، ثم الانعطاف جنوبا باتجاه الطريق الوطنية رقم 25. وعلى امتداد الطريق حتى سفوح الجبال، وتحديدا عند قرية تافورارت، تصطف البساتين والمزارع على الجانبين، كدليل إضافي على خصوبة هذه الأرض. وليس من قبيل المصادفة أن كلمة "تادلة" في الأمازيغية تعني حرفيا "باقة قمح".
لكن المنظر يبدأ في التغير بعد اجتياز بعض المنعرجات، حيث تظهر أولى أشجار الصنوبر، وهي من أبرز علامات تضاريس الأطلس. وتقل تدريجيا التجمعات السكنية، ويزداد المشهد الطبيعي وحشية وسحرا. من الصعب أن تقاوم رغبة التوقف، حين تسمح الطريق بذلك، للاستمتاع بجمال المناظر الطبيعية التي تميز الأطلس الكبير.
وعلى امتداد هذه الجهة، توجد نقاط مراقبة منتظمة يسهل الوصول إليها، مثل "تيريزيت ن أهنيا نيزدار"، و"إغرغار"، و"با ميمون". وتجدر الإشارة إلى أن المنطقة غنية كذلك بالدور السياحية (gîtes)، التي تقدم خدمات الإيواء والطعام، في بيئة ريفية ساحرة، حيث للزمن إيقاعه الخاص. وأثناء السير على الطريق، ستصادف لوحات إرشادية تدلك على اقترابك من أحد أبرز المعالم الطبيعية في البلاد : موقع "بين الويدان"، أحد أشهر البحيرات المغربية. ولن تحتاج سوى ساعة تقريبا انطلاقا من بني ملال للوصول إلى هذه الجوهرة الجبلية، التي تمنح الزائر تجربة غامرة في أحضان المياه العذبة بالأطلس الكبير.
على طول الطريق، يرافقك في الأسفل مشهد يأسر الأبصار بجماله الأخاذ، لدرجة أنك ستضطر إلى استنفار كل حواسك كي لا تزيغ عيناك عن الطريق. إننا نتحدث عن واد ليس كغيره : إنه وادي العبيد، أحد أهم روافد نهر أم الربيع، الذي تصطبغ مياهه أحيانا بزرقة فيروزية ساحرة، وتغذّي سد بين الويدان المجاور.
وقد سلك هذا الوادي بدوره الرحالة الشهير شارل دو فوكو، ودوّنه في كتاباته قائلا : "لا يمل البصر من تأمل هذا المجرى الواسع، المتدفق بمياهه الجارفة بين جدران صخرية شاهقة، عند سفوح الجبال الداكنة، في منطقة برية لا يذكر بالإنسان فيها سوى بعض الـ 'تيرّمت' (قصبات باللغة الأمازيغية) المعلّقة على رؤوس الصخور." منذ ذلك الحين، هدأ جريان وادي العبيد، وهدأت معه ضراوة الطبيعة، بعد تشييد سد بين الويدان.
بين الأودية... الحلم
افتتح سد بين الويدان سنة 1954، وما يزال حتى اليوم أعلى منشأة مائية مقوسة في القارة الإفريقية، وثالث أكبر سدّ في المغرب من حيث الطاقة التخزينية، التي تفوق 1.38 مليار متر مكعب. يمتد هذا الخزان المائي على مساحة تقارب أربعة آلاف هكتار، ويؤدي دورا مزدوجا : سقي الأراضي الزراعية في المنطقة، وتوليد الكهرباء. وبعمق متوسط يصل إلى عشرين مترا، تحول هذا الخزان إلى وجهة مفضلة لعشاق الاستجمام، حيث تتنوع فيه الأنشطة المائية والجبلية على حد سواء. ففي الفنادق والنُزل المنتشرة حوله، لن يتردد أحد في اقتراح مسارات للمشي الجبلي، أو دعوتك لركوب قارب على صفحة الماء الهادئة، أو التجديف بقوارب الكاياك، في مغامرات رومانسية وسط الطبيعة.
من بين هذه الرحلات، هناك مسار يبدأ من نهر أحنصال، وهو الرافد الثاني لسد بين الويدان. وبامتزاج اسمي النهرين "العبيد وأحنصال" جاء الاسم الرمزي للموقع : "بين الويدان"، أي "بين النهرين". وفي قلب هذه الجبال، وأنت في قاربك الصغير، يحيط بك جدار صخري عملاق من كل الجهات. فجأة، تبدو كما لو أنك نقطة ضئيلة تائهة وسط ضخامة الطبيعة التي تحيط بك.
ذروة الرحلة تكشف عن نفسها في منتصف البحيرة، حيث تبرز جزيرة أگانبو، شريط أرضي يطفو وسط الامتداد الفيروزي. إنها نقطة مراقبة مثالية لتأمل روعة المشهد من حولك، وتعد أيضا محطة لتناول أطايب المطبخ المحلي، حيث يقدم الزوار طواجن الأطلس الشهية في استراحة لا تُنسى.
لكن رحلتنا عبر أراضي الجبابرة لم تصل بعد إلى نهايتها. عند مغادرة بين الويدان، سلك طريقك غربا عبر الطريق الوطنية الوطنية رقم 25، التي تقودك نحو مدينة أزيلال. وبعد أقل من ساعة، تستقبلك هذه الحاضرة الجبلية، الواقعة على ارتفاع 1400 متر، بشوارعها الملساء، وأرصفة نظيفة، وبيوت جميلة مكسوة بأسقف مزدوجة الانحدار، بُنيت خصيصا لتصريف الثلوج الغزيرة التي تكسو المدينة شتاء.
مدار واسع تعلوه نافورة، أكثر فخامة من سائر المدارات، يشير إلى مدخل موقع استثنائي. ومن الوهلة الأولى، يصعب التنبه إلى ما تخفيه هذه الساحة المرصوفة بالحجارة : مبنى شامخ، بهندسة معمارية خارجة عن المألوف، لا تشبه شيئا مما ألفته مدينة أمازيغية الجذور. طريق فرعي يقودك إليه، وما إن تركن سيارتك، حتى تبدأ معالم المكان في الظهور. إنك أمام متحف أزيلال-جيوبارك مگون، معبد للمعرفة، ومنارة تضيء فرادة هذا التراب الذي أضحى محميا.
أمامك مبنيان بلون الطين، يشد أحدهما إلى الآخر جسر زجاجي شفاف. الأول، دائري الشكل، يضم بهوه الرئيسي، وقد وُضع منذ افتتاحه سنة 2023 تحت وصاية المؤسسة الوطنية للمتاحف. أما الثاني، فهو أكثر اتساعا، مصمم بدوره على هيئة دائرة، يحيط بها مسلك دائري صغير، ويمتد حوله بساط أخضر مقصوص بعناية، تنتصب فيه تماثيل لديناصورات من عصور غابرة، تحاكي الواقع بدقة تكاد تبث الحياة فيها من جديد. بعضها، بمخالبه المفتوحة وفكيه الهائلين، يوحي بأنه كان، ذات زمن، سيد الرعب في هذه الأصقاع. في قلب هذا المبنى، ترتفع قبة شاهقة، كأنها سُقِفت خصيصا لتأوي عملاقا... سنلتقيه لاحقا، عيانا وبيانا.
احرص على تخصيص وقت كاف لزيارة هذا الصرح، أحد أبرز متاحف المغرب، لتفهم كيف ولماذا نالت هذه المنطقة، عام 2014، تصنيف "جيوبارك عالمي" من منظمة اليونسكو، فأصبحت بذلك الأولى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والثانية فقط في القارة، بعد "نغورونغورو" في تنزانيا.
منذ مدخل المتحف، تُعرَض عليك التعريفات الرسمية. ففي إحدى الواجهات، نقرأ ما خطته اليونسكو عن هذا التصنيف : "الجيوباركات العالمية هي مناطق جغرافية موحدة، تتميز بمواقع ومناظر طبيعية ذات أهمية جيولوجية عالمية، تُدار برؤية شمولية تقوم على الحماية، والتعليم، والتنمية المستدامة." وهو وصف ينطبق، بكل تفاصيله، على "جيوبارك مگون"، كما يؤكد لنا كمال البداوي، مرشد المتحف، الذي سيرافقنا في هذا الغوص الممتع بين طبقات الأرض وزمنها الغابر.
عمالقة أزيلال
يبدأ ثراء هذا المجمع العصري في التكشف تدريجيا، بمجرد عبور الجسر الزجاجي المؤدي إلى الجناح الرئيسي للمعرض. لوحات تفاعلية، مرفقة بخرائط دقيقة، ترشد الزوار إلى موقع الجيوبارك وتُعرفهم بكنوزه الطبيعية والثقافية. ومن خلالها نكتشف أن اسم الجيوبارك مستمد من سلسلة مگون، وتحديدا من قمة إيغيل مگون التي تعانق السماء على ارتفاع 4070 مترا، في قلب وادي آيت بوگامز، الذي يعني اسمه بالأمازيغية "الناس السعداء". وهذه القمة تُعدّ ثالث أعلى قمة في البلاد، بعد توبقال (4167 م) وجبل وانُوكريم (4089 م).
يرافقنا في هذه الجولة كمال البداوي، أحد مرشدي المتحف، ويحرص على عرض المرافق التي أصبحت من مفاخر هذا الصرح، من قاعة عرض سينمائية مزودة بأحدث التقنيات، إلى قاعة ندوات متعددة الاستخدامات، وصولا إلى مختبرات مفتوحة أمام الباحثين في علمي الجيولوجيا والباليونتولوجيا (علم الحفريات).
وقبل الدخول في "نفق المعرفة"، وهو الاسم الذي أُطلق على المسار المتحفي، يشير البداوي إلى خارطة ملونة توضح مختلف الأنشطة المتاحة ضمن الجيوبارك : "التسلق يحظى بشعبية كبيرة، خاصة في أخاديد تاغيا، كما يوجد مسارات مخصصة للمشي الجبلي بإرشاد محلي، بالإضافة إلى الرياضات المائية في سد بين الويدان، ومسالك خاصة بالدراجات الجبلية، وكل ذلك تحت إشراف مهنيين"، يقول. ولا يتوانى عن نصح الزوار بالمرور أولا عبر المتحف قبل الانطلاق في اكتشاف الجيوبارك : "هنا توجد كل المعلومات التي تحتاجون إليها".
أما عشاق الحفريات، ممن يحملهم الفضول العلمي، فلن يجدوا موقعا أنسب لإشباع شغفهم. فالمسار المتحفي يبدأ من بوابة "نفق المعرفة"، حيث تأخذك سينوغرافيا غنية في رحلة زمنية تنطلق من نشأة الكون، مع نبذة عن الانفجار العظيم، ثم تنتقل بك نحو تطورات أكثر ارتباطا بكوكب الأرض. فـ"من الضروري فهم كيفية تشكل كوكبنا، حتى ندرك التحولات التي عرفتها هذه المنطقة بالذات، والتي جعلت من جبال الأطلس الأوسط كنزا جيولوجيا وأحفوريا استثنائيا"، يوضح مرشدنا.
وعبر تسلسل زمني شاسع يجعل من الجنس البشري كائنا حديث الولادة في سجل الكائنات الحية، نكتشف أن جبال الأطلس، بقممها الشامخة، لم تكن موجودة زمن الديناصورات. وهنا يكشف لنا كمال البداوي سرا جيولوجيا : "إن ما كشف وجود الديناصورات هنا هو بالضبط هذا التحول. فحين بدأت الكتلة الجبلية في الارتفاع، تمزقت الطبقات الرسوبية القديمة، لتظهر على السطح بعد ملايين السنين، كاشفة عن آثار أقدام وهياكل عظمية".
ويمضي بنا المسار في عرض مبهر لآثار وعظام متحجرة. وعند نهاية "النفق"، وبعد جرعة معرفية دسمة حول صخور المغرب القديمة وحيواناته المنقرضة وأوائل سكانه، تفاجئك قاعة هائلة، مغطاة بقبة مرتفعة مزينة بنجوم كونية. وهناك، في مركزها، عملاق صامت يتدلى في الهواء، ممسكا بتلابيب الدهشة في عيون الزوار. "أقدم لكم 'أطلساصور إيملاكي'، أضخم ديناصور عاشب تم اكتشافه في العالم"، يقول مرشدنا بصوت مهيب.
هذا الكائن العملاق، بارتفاع 10 أمتار وطول 18 مترا ووزن يقارب 23 طنا، يجعلك تشعر، لحظة وقوفك قربه، بضآلة الكائن البشري أمام سطوة الزمن والطبيعة. وقد تم اكتشاف حوالي 80 في المائة من هيكله العظمي الكامل غير بعيد عن أزيلال، في بلدة صغيرة تدعى "وامضى"، سنة 1979، على يد الجيولوجي السويسري ميشيل مونبارون، الذي صادف الأحافير أثناء أعماله الميدانية. وسرعان ما أكد هويته الديناصورية العالم الفرنسي فيليب تاكيه في العام التالي. بذلك، أماط العالمان اللثام عن واحدة من أعظم اكتشافات العصر، وأثبتا أن الأطلس الأوسط المغربي يُخفي في طبقاته السحيقة وادي الديناصورات، كما صار يلقب لاحقا.
ويعد هذا الديناصور النادر، الذي يعرض اليوم نموذج مصنع منه من الراتنج داخل المتحف (أما العظام الأصلية فقد أودعت لدى وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة بالرباط)، ممثلا فريدا للعصر الجوراسي الأوسط، أي قبل ما بين 164 و154 مليون سنة. ومعنى اسمه : "الزاحف العظيم من الأطلس"، وقد عاش في بيئة سهلية، شديدة الرطوبة، ربما على ضفاف دلتا شاسع في قلب القارة العملاقة غوندوانا، في زمن كانت فيه ولادة المحيط الأطلسي تفصل ما سيصبح لاحقًا المغرب عن القارات الأخرى.
مشاعر تنهمر كالشلالات
إلى جانب تلك الهياكل العظمية المذهلة، تركت هذه المخلوقات العجيبة آثار أقدامها كذلك، كما سنرى لاحقا، محفورة في صخور الأطلس الكبير الحمراء. وحتى ذلك الحين، نغادر متحف أزيلال لنواصل طريقنا مع عمالقة الماضي، في مسار يتعرّج عبر الجبال غربًا، على امتداد الطريق الوطنية رقم 25. نواجه من جديد منعطفات متعرجة، ونجتاز وادا مكسوا بالخضرة، قبل أن تبدأ اللافتات في الظهور هنا وهناك، معلنة اقترابنا من مفترق يؤدي إلى واحدة من أبرز الوجهات الطبيعية في المغرب : شلالات أوزود. عند اقترابنا منها، نترك الطريق الوطنية ونسلك الطريق الإقليمية رقم 3105، وهي طريق ضيقة لكنها ساحرة، تزداد خُضرتها كلما اقتربنا من أعجوبة المياه الأكثر شهرة في البلاد.
شيئا فشيئا، تزداد حركة المرور، فأوزود محطة محبوبة في المسارات السياحية القادمة من مراكش. لكن لا تقلق، فالموقع عرف كيف يتكيّف مع شعبيته، ويقدم خيارات وفيرة من المطاعم وأماكن الإقامة، تجذب الزوار الذين لا يسعهم إلا أن يقعوا في حب هذا الإبداع الطبيعي. هذا ما يؤكده لنا زوجان إيرلنديان التقيناهما في الساحة الكبرى أعلى الشلالات، كانا قد أتيا في الأصل لقضاء يوم واحد فقط، لكنهما قررا تمديد إقامتهما : "المكان ساحر جدا. لقد وجدنا فندقا جميلا لدرجة أننا آثرنا البقاء بضعة أيام أخرى لاستكشاف المنطقة المحيطة"، قالا بابتسامة.
هنا، الماء ليس مجرد خلفية بصرية، بل صوت يملأ الفضاء. بالكاد تفتح باب سيارتك، حتى يلفحك هدير عميق يشبه صوت المحيط، همهمة مستمرة تبدو وكأنها تنبع من كل الجهات. إنه صوت انحدار مياه وادي تيساخت من ارتفاع يبلغ 110 أمتار. ومع اقترابك من هذا العملاق المائي، يبدأ الضباب بالرقص حولك، يداعب وجهك برقة. وأخيرا، على امتداد أحد المسارات المحاذية للوادي، تلوح لك شلالات أوزود في أبهى تجل. ينقسم النهر إلى عدة جداول صغيرة، كل منها يرسم طريقه نحو القفزة الكبرى، من أعلى الجرف.
في هذا الشلال المكون من عدة مستويات، تتساقط المياه أولا في حوض صخري واسع، لتتجمع بعدها في مجرى أكبر ينقلب بدوره بصخب نحو بركة عميقة في الأسفل، حيث يلهو بعض السابحين في مياهها المنعشة. يمكن الوصول إلى هناك عبر مسار مشجر، يتيح لك الاستمتاع بالمشهد الرائع لشلال مصنّف كموقع ذي أهمية بيولوجية وإيكولوجية.
على جانبي الشلال، تمتد ممرات نباتية تغطيها الطحالب، في مشهد يبدو أقرب إلى غابة استوائية. وحدها صلابة لون الصخور الحمراء تذكرك أنك في قلب الأطلس. الأشجار المحيطة تضفي على المكان دفئا مألوفا : أشجار زيتون معمرة، وتين يمد أغصانه في الهواء، وصنوبريات متناثرة هنا وهناك. أما الحيوانات، فيتصدرها قردة المكاك البربري، التي أصبحت نجوم هذا الموقع، وتنجذب بكثافة في فصلي الربيع والصيف… رغم أنه يمنع إطعامها. في أسفل الشلال، يتبدل المشهد كليا : تنظر الآن من حيث تنتهي المياه، وقد هدأ صخبها، لتصبح صالحة لجولات على متن قوارب تقليدية، لن يتأخر أصحابها في عرض خدماتهم عليك.
ونواصل رحلتنا في أرض العمالقة باتجاه مدينة دمنات، الحصن الأخير في منطقة غنية لا تنفد مفاجآتها. نتجه جنوب غرب، في قلب "الجيوبارك" العالمي مكون، الذي لا يتوانى عن تذكيرك، عبر لافتات الطريق التي تُزينها ظلال الديناصورات، بأنك في محمية جيولوجية وإيكولوجية فريدة. بعد ساعة من القيادة على الطريق الوطنية رقم 25، نمر خلالها بقرى تتماهى مع لون التربة الأحمر، نصل أخيرا إلى هذه المدينة العريقة.
رغم أنها تقع في ظل مراكش، التي يمكن رؤيتها ليلا من أعاليها، فإن دمنات وُجدت قبل تأسيس العاصمة الحمراء نفسها على يد المرابطين في القرن الحادي عشر. ومنذ تلك العصور، كانت مركزا تجاريا نابضا، ومحطة لا غنى عنها للقوافل العابرة للصحراء. وقد خلف هذا التاريخ العريق في سكانها، الذين يفوق عددهم اليوم 33 ألف نسمة، طبعا إنسانيا ملحوظا يتمثل في الكرم الفطري وحسن الضيافة. هذا ما سجله كذلك رحالة فرنسي زار المدينة قبل نحو نصف قرن : "يبلغ عدد سكانها نحو 3 آلاف نسمة، من بينهم ألف يهودي، لا يعيشون في حي ملاح خاص، بل إلى جانب المسلمين الذين يعاملونهم بطيبة استثنائية".
ويضيف هذا الرحالة، مشيرا إلى ازدهار المدينة : "دمنات محاطة ببساتين رائعة من كل الجهات، تُعد الأوسع في المغرب. تتوزع وسطها قرى متقاربة كأنها ضواحي، وتُعرف هذه الحدائق ببُعد صيتها، وخصوبة أراضيها، وغزارة فواكهها، وعلى رأسها العنب الشهي الذي يعد أسطوريا". لا تفوت زيارة أسواقها الزاخرة بمنتجات ما زالت تحتفظ بجودتها. كما تُهيأ المساحات الخضراء المحيطة بالمدينة لاستقبال النزهات العائلية، وتوفر مناظر خلابة نحو سفوح الأطلس، الذي يحتضن هذه المدينة كعرش جبار.
وإذا تابعت الطريق جنوب شرق، عبر الطريق الوطنية رقم 23، ستصل بعد بضعة كيلومترات إلى بلدة تيفني، التي لا تبعد سوى 8 كيلومترات عن وسط دمنات. هناك، ستجد حافلات سياحية مصطفّة أمام مقاه كبيرة ظليلة، تقدم الطعام والشراب. لكنها ليست مجرد استراحات، بل أنت على بُعد خطوات من معجزة جيولوجية أخرى : قنطرة إمين إفري الطبيعية.
وربما مررت فوقها دون أن تدري. فباستثناء الرصف والحواجز، كل ما فيها نحتته الطبيعة قبل ظهور البشر. تعود "هندسة" هذه القنطرة، كما يخبرنا أحد اللوحات في الموقع، إلى 180 مليون سنة، وتُوصف بأنها "قوس طبيعي فوق واد ضيق، نُحت في صخور العصر الجوراسي السفلي من طرف وادي تيساخت. تكونت القنطرة نتيجة ترسيب مياه الينابيع الغنية بكربونات الكالسيوم، مكونة رواسب تعرف بـ'الترفرتين' شكلت القنطرة وواجهاتها".
وللتمتع بجمال هذا المكان حقا، اسلك المسار المرصوف المتعرج الذي ينحدر نحو قاع الوادي. ومع قليل من الانتباه، قد تلمح أسرة صغيرة من السناجب البربرية التي اتخذت من تجاويف الصخور مسكنا آمنا لها. وما ينتظرك في الأسفل هو مشهد مهيب : كهف طبيعي يخترقه نور الشمس، لتقودك نهايته إلى ضفة مجهزة قرب النهر، حيث يمكنك احتساء الشاي بالنعناع في ظل أشجار اللوز.
أما محطتنا الأخيرة في أرض العمالقة، فهي بلدة إيواريضن، الواقعة بضعة كيلومترات شرقا. عند ظهور لوحة تشير إلى "جيوبارك مگون"، انحرف باتجاه هذه القرية الهادئة المحاطة بجبال مهيبة. بعد أن تتجاوز بعض المباني الإدارية، تظهر لافتة جديدة تدعوك للتوقف. خلف جدار قصير، تحمي حبال مشدودة طبقةً مائلة من الصخور الحمراء. وبالاقتراب منها، ترى بوضوح آثار أقدام، يصفها اللوح بأنها "ممتدة، ويبلغ متوسط طولها 30 سم، وعرضها 25 سم، بثلاثة أصابع متباعدة ومفصلية. وتُنسب هذه الآثار إلى ميغالوصوريبوس، وهو ديناصور ثيروبود يمشي على قدمين، تراوح طوله بين متر ونصف ومترين".
هي لحظة ساحرة، وهبة من الزمن والصدفة، خلدها الحجر إلى الأبد. في صمت هذا المشهد غير الواقعي، تنبعث عظمة عصور الديناصورات من رحم الأرض، وتترسخ في وعينا بقوة لا يمكن لأي كتاب علمي أن يبلغها. هي دعوة للتأمل، ووقفة مع سؤال الوجود : ما الأثر الذي سنتركه نحن في حاضرنا… لمن سيأتي بعدنا؟
©️ Copyright Pulse Media. Tous droits réservés.
Reproduction et diffusions interdites (photocopies, intranet, web, messageries, newsletters, outils de veille) sans autorisation écrite.














