logo du site ledesk
بالعربية
مختارات لوديسك بالعربية

Connectez-vous

Mot de passe oublié ?

Abonnez-vous !

Découvrez l'offre de lancement du Desk

60 DH
1 mois
Découvrir les offres
04.09.2022 à 16 H 30 • Mis à jour le 04.09.2022 à 16 H 30 • Temps de lecture : 1 minutes
Par

سيدي إفني.. الطلل الإسباني المنسي في الجنوب

شارع رئيسي يظهر بعضا من المعمار الإسباني في مدينة سيدي إفني. لوديسك

تشبه مدينة سيدي إفني سيدة جميلة لكنها محاصرة بين الجبل والشاطئ والصحراء. حددت الطبيعة هندسة المدينة قبل أن يرسمها المهندسون فجعلت منها جيبا منيعا مما سهل على العقيد "أوسفالدو كاباس" تحويلها إلى ثكنة عسكرية اسبانية ومركزا لإدارة المستعمرات في شمال إفريقيا وغربها. غادرت اسبانيا حاضرة أيت باعمران يوم 30 يونيو من سنة 1969 غير أن المدينة مازالت طللا أيبيريا رغم مرور نصف قرن على استقلالها.


ألوان قرمزية

على طريق سيدي إفني الساحلية شواطئ هادئة تخففت من زوارها الذين غادر جلهم شواطئ آيت باعمران مع اقتراب الدخول المدرسي. قبل الغروب ينعكس شعاع الشمس على الماء فيعطي لونا قرمزيا شبيها بلون نبات الصبار المنتشر على الطريق والذي فقد خضرته بعدما أبادته حشرة "الكوشني" وأصابت معه، في مقتل، أحلام عشرات التعاونيات والمقاولات التي تعيش من الصبار. تصنع النساء والشباب هنا من الصبار زيتا ومربى وكريمات للشعر والبشرة وكل شيء والعاجز من الباعمرانيين يبيع التين الشوكي على الطرقات الى أن حلت هذه الحشرة القرمزية الغريبة فوضعت حدا لكل هذا النشاط.


قارب تقليدي يزين شارعا مطلا على شاطئ سيدي إفني. لوديسك


شيدت مجموعة النفع الاقتصادي "أكناري جبال أيت باعمران" محطة لتوضيب فاكهة الصبار وشقت الطرق القروية لفك العزلة عن الضيعات، ووفرت الدعم والاستشارة الفلاحية عبر مشروع كلف 80 مليون درهم يقدر إنتاجه الموجه لمحطة التوضيب بنحو 10.000 طن مع خلق 130.000 يوم عمل في السنة. العائد المادي كبير وكذلك الخسارة بعد حلول هذه الآفة التي لا يعرف أحد أي ريح عاتية حملتها من المكسيك الى شواطئ "صبويا".


يظهر للعابر بسيارته على الطريق الساحلي زبد البحر الذي يختلط بياضه ببياض مادة شمعية تفرزها الحشرة القرمزية كي تحافظ على الماء الذي بداخلها وتحمي نفسها من الشمس الحارقة عند هذه الأجراف العالية. تتخذ هذه الحشرات القشرية حافة لوحة الصبار مستقرا لها حيث يداعب الريح خيوط الشمع وتطاير ذكورها المجنحة، مقتسمة سماء الشواطئ مع السياح الذين يمارسون رياضة الطيران الشراعي، تحملها التيارات الهوائية الى صبار جديد تحدث فيه بؤرا جديدة.


مسعود و"لخيفي"

الهواء منعش وسط مدينة سيدي إفني. العشرات من سكان المدينة وزوراها يتمشون بين مبنى كولونيالي قديم وساحة شبيهة بشرفة مطلة على البحر. مناخ المدينة معتدل وضباب خفيف يغطي الأفق. تتراوح درجات الحرارة هنا، على طول السنة، بين 18 و24 درجة وهو ما يجعلها وجهة مفضلة لسكان المدن المجاورة خاصة كلميم وبويزكارن. يقف السكان كما الزوار على شرفة المدينة الواسعة للاستمتاع بمنظر الشاطئ الممتد والذي تنبعث منه موسيقى صاخبة مصدرها مقهى يقدم وجبات الأسماك الساخنة والمشروبات الباردة ويخصص مكانا فوق الرمل لتسلية الأطفال.


خلف شرفة المدينة "ساحة إسبانيا" وهي عبارة عن حديقة تؤطرها طريق دائرية وعلى جنباتها بنايات إسبانية جميلة لكنها مهملة. مسعود الوحداني جار المباني العتيقة، مكلف بري الحديقة وحراستها لكنه لا يعرف الشيء الكثير عن البنايات المحيطة به. يقول مسعود في حديثه مع لوديسك :"جئت الى سيدي افني سنة 1982 وكنت أستعمل عربة لبيع بعض المواد وأجلب بها قوت يومي غير أن رئيس المجلس الجماعي السابق نزع مني هذا الحق فاضطررت إلى الاعتصام أمام البلدية". تمت ترضية الوحداني ببطاقة إنعاش وتم تكليفه بري الحديقة كتعويض عن "الكروصة" مقابل إنهاء شكله الاحتجاجي.


مسعود الوحداني، حارس حديقة ساحة إسبانيا. لوديسك


لسيدي إفني تاريخ طويل مع الثورات والاحتجاجات. ثارت قبائل آيت باعمران على المستعمر الإسباني. في يونيو 1957 حوصرت المدينة كليا، بعد أن استولى جيش التحرير (الجنوب) على كل النقاط التي كانت محتلة من قبل جيش فرانكو. غيرت السلطات الإسبانية تكتيها عبر فصل منطقة سيدي إفني عن إقليم الصحراء الخاضع للإدارة الإسبانية. يقول الحارس مسعود "كل ما أعرفه أن طبيبة جاءت يوما الى هنا وطلبت تسليمها هذه البناية (يشير إلى بناية إسبانية قريبة) قصد إنشاء مستشفى للأطفال غير أن المشروع لم يرى النور".


البناية التي طلبت طبيبة تحويلها إلى مستشفى أطفال. لوديسك


يروي السكان هنا قصصا كثيرة عن المباني الإسبانية في سيدي إفني. بناية ممثل السلطات الإسبانية، إبان الاستعمار، تم ترميمها وقد سكنها الملك محمد السادس بمناسبة زيارته لسيدي إفني وكانت إقامة مؤقتة لعامل الإقليم. تم تحويل كنيسة إلى مسجد والكنيسة الكبيرة المطلة على البحر تحولت الى مقر للقاضي المقيم أما البناية الأهم فهي "البكادوريا" وقد كانت مقرا للأعمال القنصلية الإسبانية في سيدي إفني. في واجهة القنصلية أقواس جميلة ونوافذ أغلقت بالياجور خوفا من أن تتحول إلى وكر للمشردين.


مبنى الكنيسة الذي تحول إلى مقر للقاضي المقيم. لوديسك


سنة 2016 اقتحم عدد من الشبان مبنى القنصلية الإسبانية علقوا علمين واحد إسباني والثاني يمثل شعار الإقليم تحت الوصاية الإسبانية وبينهما لافتة كتبت باللغتين الإنجليزية والإسبانية، طالبوا عبرها الحكومة الإسبانية بتفعيل قانون التجنيس الذي تكفله مدريد لمواطني مستعمراتها السابقة، غير أن السلطات أنهت الاقتحام وحاكمت المحتجين أمام قاض في تيزنيت.


يقول مسعود في دردشته مع لوديسك "إذا أردت معلومات وافية عن البنايات فاسأل الخيفي". "الخيفي" تعني الرئيس باللغة الاسبانية وهي كلمة دخلت اللهجة المحلية مع مئات المصطلحات من المعجم الإسباني بالإضافة الى الأمازيغية والحسانية المتداولة في الإقليم. 


سكان إفني يقولون "ميردا" بدل اللعنة ويشتمون بـ"تشيباظو" و"كوباردي" ويصفون الغريب بالـ"مورو" والمائدة "ميسا" والملعقة "كوتشارا" وحنفية الماء "كريفو" وهكذا. لم يترك الإسبان، هنا، جدرانا فقط بل تركوا موروثا ثقافيا تتوارثه الأجيال.


صك المِلكية

بلدية سيدي إفني عبارة عن معلمة تاريخية جميلة بناها الإسبان سنة 1958 وظلت تحافظ على هندستها الأصلية منذ ذلك التاريخ. مربعات الزجاج السميك التي استعملت كسقف في الطابق الأول مازالت في حالة جيدة. رافقت رقية بوعبيد، وهي نائبة رئيس البلدية المكلفة بالشؤون الاجتماعية والثقافية والرياضية، "لوديسك" إلى البناية وقدمت شروحات حول أقسامها.


رقية بوعبيد، نائبة رئيس المجلس الجماعي صحبة مدير البلدية. لوديسك


تقول المنتخبة أن بعض البنايات تحولت إلى أطلال لأن ملكيتها تعود إلى الدولة الإسبانية. "ليست لنا إمكانية للتدخل من أجل الترميم عدا الواجهة لأن صك الملكية يمنعنا من ذلك". تعطي نائبة الرئيس مثالا مضادا بـ"الكاسينو" الذي تحول إلى قاعة لتنظيم دورات المجلس الجماعي لأن ملكيته مغربية تعود إلى "الدومين".


حميد المحندي، مدير البلدية، صرح في حديثه مع "لوديسك" أن المعالم العمرانية الإسبانية الكبرى في سيدي إفني عددها إحدى عشرة بناية وأن خمسة منها تعود ملكيتها لمؤسسات مغربية. يتبادل المدير والمنتخبة الأفكار والمعطيات حول الإرث العمراني بشغف وحماس لأن تاريخهما العائلي مرتبط ارتباطا وثيقا بالتواجد الإسباني. كان والد رقية بوعبيد عنصرا في الشرطة الإسبانية قبل أن يتمرد ويلتحق بصفوف جيش التحرير ومن تم الانخراط في صفوف القوات المسلحة الملكية أما والد حميد المحندي فكان موظفا في الشؤون القنصلية حتى بعد الجلاء الإسباني. يقول مدير البلدية "والدي كان مكلفا بالربيسا (revista)".


بدلة عسكرية لمقاوم من قبيلة آيت باعمران معروضة في متحف المقاومة وجيش التحرير. لوديسك


أخذت مدينة سيدي إفني اسمها من الولي سيدي علي إفني وقد كان ضريحه هو الأبرز بين البيوت الطينية قبل أن يطأ الجنود الأوروبيين أرض الباعمرانيين بأحذيتهم الثقيلة أما اليوم فما تزال علامات الأيبيريين ظاهرة على المعالم رغم التشويه الذي طالها. 


يقول مدير البلدية أن الأحياء فقدت هويتها لأن قانون التعمير وتهيئة المجال لم تأخذ بعين الاعتبار تاريخ الأحياء ولم تربط بين العمارة وبين الفرص الاقتصادية التي قد تتأتى من الرحلات السياحية للراغبين في زيارة هذا المعمار التاريخي. في مدخل المدينة حي يستمد اسمه من اسم الشركة الإسبانية التي شيدته سنة 1957 "كولومينا".


ما بين "كولومينا و"لالة مريم"

مع توافد الجنود بنت السلطات الإسبانية ثلاث مئة منزل خارج الثكنة فاختلفت هندسة البيوت باختلاف الرتب العسكرية وتباينت الأسماء حسب الديانات. فسميت بعض البيوت بـ"ديور عشرين" وأخرى بـ"ديور ربعين" بينما سمي حي آخر بـ"ديور لمسلمين". 


يحمل المكان اليوم اسم "حي لالة مريم" وقد فقد الكثير من ملامحه الاسبانية بفعل البناء الذي لم يراعي شكل الحي القديم والوانه ومواد البناء. المستشفى أيضا مسه بعض التغيير فكنيسته تحولت إلى مستودع للأموات حسب تصريح لنور الدين، حارس المستشفى، الذي أكد أن بعض الراهبات اللائي عملن كممرضات في سيدي إفني ما زلن يزرن المكان بين الفينة والأخرى.


نور الدين، حارس بوابة المستشفى الإقليمي. لوديسك


قلة قليلة قد تعرف التحول الكبير الذي عاشته إفني في العقود الخمس الأخيرة ولمن أراد أن يفهم التغير العظيم فما عليه إلا أن يقف على شرفة المدينة المطلة على البحر ويغلق عينيه ويتخيل عربات سلكية ضخمة تمر من فوق حاملة الأطنان من السلع، رابطة بين الهضبة والمحطات البحرية في شاطئ مزدهر، ويسمع هدير الطائرات التي تربط اشبيليا بعاصمة ايت بعمران كل يوم اثنين وخميس على الساعة الثالثة والربع أو موسيقى فيلم "أمسية الثيران" (Tarde de toros) الذي عرض في سينما المدينة قبل ثمانين سنة. كل هذا كان حقيقة في سيدي إفني ولم يكن خيالا.

©️ Copyright Pulse Media. Tous droits réservés.
Reproduction et diffusions interdites (photocopies, intranet, web, messageries, newsletters, outils de veille) sans autorisation écrite